X
ياسر عمر سندي

السحر والحسد ودفاع الجسد

الأربعاء - 11 نوفمبر 2020

Wed - 11 Nov 2020

السحر والحسد من الممارسات العتيقة، وهما في الوقت نفسه حقيقة مستمرة إلى عصرنا الراهن، استخدمهما كثير من شعوب العالم، ومعظم الثقافات والمعتقدات آمنوا بهما، خاصة الآسيوية والشرق أوسطية ومجتمعاتنا العربية.

وهذه الحقيقة ذكرها القرآن الكريم في عدة مناسبات وآيات، والسحر والحسد في تفاعلاتهما مع البشر قد يتحولان إلى أساليب وطرق عكسية، يجري فهمها واستخدامها في ظروف معينة، وتجسيدها أيضا في كل مرة يطرأ على النفس طارئ، ينتقلان بالفعل البشري من واقع الحقيقة إلى وهم الخيال، وتحديدا في بعض الشخصيات الهشة، وأصبح الأمر يأخذ أكثر من اتجاه وفكرة، حتى بات السحر والحسد شماعة يعلق عليهما الإخفاق والفشل، وربما المشكلات الأسرية والعائلية، وغيرها من المعضلات الاجتماعية.







ومعلوم أن مفهوم السحر بعمومه يفسر على أنه سلوك يقوم به شخص معين يتدرب على عمل الخدع والألعاب، بمعونة آلات ومواد تعتمد على الخفة والسرعة. والحسد في مفهومه سلوك سلبي يسقطه شخص على آخر بنية تمني زوال النعمة من شخص آخر، وهو للأسف سلوك جلب التعاسة للإنسان.

هذان المفهومان - السحر والحسد - يتعززان في ذهنية المجتمعات، خاصة الرجعية والقاصرة في معرفتها وفكرها، وتجري مداولة هذا الفكر في العقول الخاوية التي تتملكها الإشاعات، ومع الأسف نشاهد أحيانا من وصل في تعلمه إلى ما يمكنه من الفهم والإدراك، ونتعجب لردات فعله غير السوية فيما يواجهه من أمور حياتية قد تكون ليست من نصيبه وقدره.

وهم أو خيالات السحر والحسد التي تعتري بعض الناس من الجنسين، أرى أنها تتعزز وتقوى وتصل أحيانا إلى حد الاقتناع، بل ويُتهم أشخاص ليس لهم لا ناقة ولا جمل، غير هذا الوهم الراسخ في أذهان ونفوس البعض.

وبطبيعة الحال هذه النفوس والأذهان توارثت تبني رسم تلك الصورة المشوهة عن طريق التنشئة والتربية والعوامل المساعدة الأخرى، مثل مجموعة الرفاق والأقارب والمخالطة المجتمعية من خلال البيئة، وهذه العوامل سعت إلى إقناع البعض بأن أي فشل يصيبهم هو بسبب عين فلان الحاسدة، وعدم التوافق الحاصل بينك وبين زوجك هو بسبب فلانة راعية الأسحار، وغيرها من العبارات الإسقاطية، وتبني نظرية المؤامرة المتداولة أحيانا له دور كبير في تعزيز الإحساس بأن أشخاصا معينين على مستوى العائلة والصداقات والأقارب يشار إليهم بأصابع الاتهام بأنهم السبب في معظم المشاكل التي يعشها الآخرون.

يطلق على هذه الأساليب في اتهام الأشخاص والمواقف والآخرين «الأساليب الدفاعية»، وهي طريقة يلجأ لها الأفراد لإزالة الاضطراب الذي يصيب الشخصية ويجعلها غير مستقرة، وكما أسلفت، إسقاطات الفشل والإخفاق التي تصيب الفرد أصلا في حياته هو مسؤول عنها في غالب الأمر، إما لقلة الوعي أو البعد عن الصواب في اتخاذ القرار أو عدم استشارة الخبراء في أمر ما، فيلجأ هذا الفرد إلى إطلاق الأسباب علانية بأن ما حدث له هو بسبب حسد زميل أو سحر قريب أو نفسية صاحب، وهذا حتما يؤدي إلى إيغار القلوب وتأليبها، وربما يصل إلى قطع العلاقات والصلات القريبة والبعيدة على مستوى العوائل والأسر والصداقات.

التخلص من هذه الأفكار السوداوية المتداولة يحتاج أيضا إلى تدخل أسري ومجتمعي وبيئي مبكر، وأهم الأساليب التي أرى أنها تساعد إلى حد كبير في ذلك، هو طريقة العلاج الجمعي المعرفي السلوكي، وذلك بالتركيز على الإيجابيات لدى الأشخاص أنفسهم، والنظر أيضا إلى الخيرية لما لدى الناس في تعاملاتهم وسلوكياتهم، وكذلك البدء بكل جدية من الأساس التربوي، وهي الأسرة في الدائرة المجتمعية الأولى، بعمل تصحيح ذهني لهذه الأفكار.

على سبيل المثال قد يرتبط زوج بامرأة محملة أساسا في أسرتها بأفكار تحمل في طياتها إسقاطات ودلالات نظرية المؤامرة، في ألفاظها بأن فلانا حسود وفلانة غيورة، وأخرى لا تحب لها الخير، وبطبيعة الحال قد تحدث مشكلات بين الزوجين في بداية ارتباطهما، إلى أن يصل الشريكان إلى آلية في الآخر، وهذا أمر بديهي، ولكن قد تعزوا هذه الزوجة وإرثها الأسري الأمر إلى أن هنالك عيونا خبيثة وما إلى ذلك سببت عدم التوافق، فالأمر هنا يجب التعقل فيه أكثر والنصح والتريث، واستمرار التقييم والتقويم.

الثقة بالله ثم بالنفس وقدراتها ومعرفتها ووعيها أيضا، والثقة بالناس بأن الخير سيظل فيهم؛ هي الأساس واليقين بالإعقال، ومن ثم التوكل هو أساس التعامل، فالتوهم بالسحر والحسد ما هو إلا دفاع خفي تطلقه الأفكار وتحتضنه النفس ويترجمه الجسد.

Yos123Omar@