X
أحمد محمد الألمعي

النرجسية في الشخصية العربية حقيقة أم مبالغة؟

الأربعاء - 11 نوفمبر 2020

Wed - 11 Nov 2020

النرجسية هي ‏الإفراط في حب الذات، والاهتمام بالمظهر الخارجي وراحة الذات وتضخيم الفرد من أهميته وقدراته الشخصية، وتهميش الآخرين والتقليل من شأنهم. وتشمل مجموعة من الصفات لدى كثير من الناس، لكنها لا تسبب مشاكل ملحوظة لأنها متغيرة وموجودة بشكل بسيط. ولكن هناك حالات حين تكون هذه السمات مبالغا فيها يفتقد الشخص للمرونة في التفكير والتعامل، وتسبب مشاكل اجتماعية ومهنية وأسرية في حياة الشخص أو من حوله، وصعوبات في التأقلم، وهذا هو الخط الفاصل الذي يتم عنده تشخيص المرض النفسي، ويسمى اضطراب الشخصية النرجسية.

‏توصف الشخصية العربية في بعض الأحيان بكثير من سمات النرجسية، ويمارس كثيرون في مجتمعاتنا العربية هذه السلوكيات، خاصة الذكور، وهي في كثير من الأحيان مقبولة إلى درجة ما في المجتمعات الشرقية، ‏خاصة إذا كانت مصحوبة بكون الشخص يبدي اهتماما ورعاية لأفراد أسرته ومن حوله، ‏ومصدر ذلك الاهتمام هو ديننا الإسلامي وعاداتنا القبلية والاجتماعية التي تتوارثها ‏الأسر والمجتمعات عبر الأجيال.







يوصف ‏الرجل في أسرته ‏بأنه رب الأسرة الآمر الناهي، وهناك الصور النمطية في بعض المجتمعات العربية مثل «سي سيد»، ومن ‏العيب أن تجادل والديك أو من هم أكبر منك سنا، ويعرضك ذلك للانتقاد من باقي أفراد الأسرة أو المعارف، وقد يصفك البعض بأنك قليل التربية وبالعقوق حتى لو كان والداك أو الشخص الأكبر سنا مخطئين خطأ جسيما أو كان هدفك إصلاح الخطأ والتوجيه.

ونرى كثيرا من هذه ‏الصفات في كثير من الزعماء العرب والمديرين والمهنيين، ‏وهي ملحوظة في تعامل هؤلاء الأشخاص، فهم يحبون من يمدحهم ويمجدهم ‏ولا يتقبلون النقد أو أي إشارة بأنهم اتخذوا قرارا خاطئا أو أي تشكيك في معلوماتهم وقدراتهم. ‏وينشأ عن ذلك كثير من المشاكل والأمراض الاجتماعية التي يتجنب أفراد الأسرة والمجتمع مناقشتها، لأن ذلك يعد عصيانا وعيبا كبيرا، وقس على تلك ‏الصورة ما يحدث في الإدارات، فيقوم المدير بترقية من يمدحه ويهمش من ينتقده، حتى لو كان هذا النقد بناء ولمصلحة العمل.

يقلل ذلك من فرص الإصلاح وبناء علاقات أسرية واجتماعية صحية على أساس الحفاظ على حقوق الجميع، بقطع النظر عن سنهم أو وضعهم الاجتماعي والوظيفي، ‏وينتهي المطاف بكثير من الضحايا الذين يعانون من طمس الهوية والإهانات وهضم الحقوق ‏في مكتب الطبيب أو الأخصائي النفسي، بسبب أعراض اكتئاب أو صعوبات التأقلم مع هذه الأوضاع المزرية. ‏عندها نعمل بوصفنا مختصين العلاج اللازم، الذي يشمل العلاج الفردي والأسري، ‏ولكن لا يحل ذلك المشاكل، لأن الموضوع مثل الوباء منتشر، ويتجنب المجتمع الحديث عنه ومواجهته، ‏بسبب الأعراف الاجتماعية الخاطئة وتفسير التعاليم الدينية بما يخدم المصالح الشخصية.

‏وقد تنبه الناس في المجتمعات الغربية إلى هذه المشكلة، وتم وضع ضوابط اجتماعية وفرص للأشخاص الذين يعانون للخروج ‏من النفق المظلم الذي وضعهم فيه المجتمع، ‏وهناك كثير من الممارسات التي تعطي الفرصة لنقاش موضوعي إيجابي في الأسرة وفي مكان العمل، وقد ‏تذهب في بعض الأحيان إلى التطرف فنرى قلة احترام للوالدين والنقد غير البناء في مكان العمل، ‏والنتيجة هي تدمير العلاقات الأسرية وخفض الإنتاجية في العمل، ‏ويجب أن يعمل الجميع فريقا واحدا تحت قيادة مقبولة، للوصول إلى النجاح.

تشجع الحضارة الغربية الاهتمام بالفرد، عكس الثقافة الشرقية التي تركز على المجتمع وتجحف بحق الفرد في كثير من الأحيان.

أخيرا، النقد الذاتي البناء أفضل طريقة للارتقاء بالمجتمعات وتحقيق العدالة الاجتماعية، التي أمر بها ديننا الحنيف.

almaiahmad@