X

فهد عبدالله

التركيز المشتت

الخميس - 22 أكتوبر 2020

Thu - 22 Oct 2020

من الملاحظ في المواقف التي تتكرر كثيرا في مقاعد الدراسة أو لقاء تثقيفي على مجموعة من المستمعين أو حتى في النقاشات العلمية المفيدة أو قراءة كتاب، ولربما مرت بك أيضا مثل هذه المواقف المشابهة؛ أنه عندما تطرح فكرة وتعقبها بأمثلة قد تجد بعض المستفيدين ينشغل بالأمثلة أكثر من الفكرة الرئيسة، وبعض الأحيان عندما يكون هناك استطراد في مناقشة الأمثلة والتأمل فيها قد يصل الحال إلى نسيان الفكرة الرئيسة التي طرحت عليها الأمثلة، وهذا نوع من التركيز المشتت الذي يجعل المتلقي يذهب بعيدا مع الأمثلة، وقد لا يلم شتات الأفكار الرئيسة في ذلك الموضوع.

أو على الطرف الآخر مثلا، تستمع إلى مادة صوتية وتجد المحاضر يتحدث حول أمور تفصيلية تأخذ جل الوقت رغم أن الأفكار الرئيسة التي تنطلق منها تلك النقاط التفصيلية لم تذكر، أو تحدث عنها على شاكلة السراب الذي لا يمكن اللحاق به أو حتى رؤيته بوضوح.

وعلى الصعيد الشخصي عندما أتعرض لمثل هذه المواقف أجد كثيرا من التعب الذهني في محاولة لملمة شتات التفاصيل ووضعها في الإطار العام الذي يجمعها، مما جعلني أرصد بعض ملامحها وحلولها التي قد تكون مفيدة:

- من التجارب المميزة جدا عندما تقرأ كتابا أو تستمع لمحاضرات مثلا ضمن مرحلة دراسية، وتجد الكاتب أو المحاضر في بداية الكتاب أو المادة العلمية يخصص جزءا كبيرا من الوقت فقط لشرح الصورة العامة للموضوع الرئيس ومكوناته، ومحاولة ربط الأفكار الرئيسية بعضها ببعض، وأحيانا تجده في بداية كل فصل في الكتاب أو بداية كل محاضرة في الفصل الدراسي يمر سريعا على تلك الصورة العامة التي رسمها حتى يربط أي فكرة تفصيلية بتلك الصورة العامة للموضوع الكلي، وهذه خارطة طريق جميلة جدا في التواصل الفعال وإيصال المعلومة عن ذلك الموضوع بشكل مترابط وواضح.

- من الملامح أيضا في الاجتماعات بشكل عام أن الاستطراد في الجزئيات الصغيرة التابعة للأفكار الرئيسة في بعض الأحيان، خاصة عندما يتعلق الأمر بوقت محدود تجدها تستهلك الوقت وتأخذ الحظ الأكبر في المحادثات وقد تؤثر سلبا على بقية العناصر الرئيسة لذلك الاجتماع، وعندما يتنبه المسؤول عن الاجتماع لهذا الأمر تجده يعرف الوزن الوقتي الصحيح والترابط الموضوعي لبنود الاجتماع، ويستطيع إدارته بشكل فعال والخروج بأكبر قدر من النتائج الإيجابية من خلاله.

- في بعض الأحيان عندما يكون هناك اختلاف في جهات النظر، خاصة في تلك الأمثلة يكون التقريب وسد الفجوات أو على الأقل تفهم وجهات النظر ليس من خلال الأمثلة والاستطرادات وتفاصيلها فحسب، إنما يكون من خلال إرجاع هذه الأمثلة إلى أفكارها الرئيسة، فلربما كان هناك الاختلاف أو الاتفاق ومن ثم ستكون الأمثلة أكثر وضوحا عندما ترد لأفكارها الرئيسة، فهي الأمر الجامع الذي قد يحسن رؤية الجذور في مكامن الخطأ والصواب.

- من التجارب المفيدة أيضا أنه أثناء العمل مثلا أو قراءة كتاب قد يكون من الأهمية بمكان أن تتابع الاستغراق في تفاصيل معينة وقد تأخذ منك وقتا طويلا، حينها لاعتبارات ترابط الموضوع وعدم الوقوع في مطب التركيز المشتت أن يتم الوقوف قليلا ومحاولة استذكار هذه التفاصيل أين موقعها من الصورة الكلية للموضوع، وما فائدة هذه التفاصيل وعلاقتها بالموضوع الأم، بالتأكيد ستجعل الترابط حاضرا ولو بعد حين من الاستطرادات.

التركيز المشتت علاقته ليست محصورة بالتفاعل مع الآخرين من خلال القوالب والأدوات المتعددة فحسب، إنما قد ينسحب ذلك أيضا على أهداف الحياة والأعمال اليومية، وماذا نريد وكيف نصل للوجهة الأخيرة، دون الانشغال ببنيات الطريق التي قد تؤخرنا عن الوصول للوجهة الأخيرة المقصودة أو تنتقل بنا إلى اتجاه جديد غير مقصود.

fahdabdullahz@

أضف تعليقاً

Add Comment