X
رابعة منصور

التكنولوجيا والدفاع عن النفس... كيف كتب مستقبل الأمن السيبراني الأقوى في العالم في صحراء بئر السبع «الإسرائيلية»؟

الأربعاء - 02 سبتمبر 2020

Wed - 02 Sep 2020

فقر الموارد الطبيعية هو سبب ريادة «إسرائيل» في المنطقة، لذا ركزت الأمة على الابتكار التكنولوجي كوسيلة للبقاء، كما اضطرتها جميع أنواع التهديدات التي تشكلها الأنظمة والجماعات المعادية على أراضيها أو خارج حدودها إلى تعلم كيفية الدفاع عن نفسها، والأمن السيبراني جمع بين أمرين تجيدهما «إسرائيل»: التكنولوجيا والدفاع عن النفس. تلك العبارات التي صرح بها يوما نتنياهو وأحد مسؤولي جهاز الإنترنت الوطني الإسرائيلي لخصا بها المنطلقات التي جعلت من «إسرائيل» اليوم من الأقوى عالميا في مجال الأمن السيبراني.

وفي سبيل تحقيق طموحها لأن تكون عاصمة الأمن السيبراني في العالم، شرع الكيان الصغير مساحة «إسرائيل» في بناء مجمع ضخم للأمن الصناعي العسكري في مدينة بئر السبع الواقعة في الصحراء الجنوبية لإسرائيل. مجمع بئر السبع للأمن السيبراني هو أكبر مشروع للبنية التحتية في تاريخ إسرائيل كلف مليارات الدولارات لبناء قواعد عسكرية، ومراكز بحوث أكاديمية، ودعم الشركات الناشئة عالية التقنية التي تجد طرقا جديدة ومبتكرة لهدف أمان الدولة والمواطنين من الاختراقات المحلية والخارجية.

ففي الجانب العسكري، بنى الجيش الإسرائيلي قاعدة عمليات جديدة لقسم الأمن السيبراني، مكرسة لتكنولوجيا المعلومات والحرب الالكترونية. تستوعب قواعد الجيش وقواعد التجسس معا حوالي 20 ألف جندي الكتروني عالي التأهيل، تشمل وظائفهم الدفاع عن «إسرائيل» من الاحتيال والاختراقات الإرهابية الخارجية، ولتنفيذ العمليات الهجومية. إضافة لـقاعدة استخبارات على غرار وكالة الأمن القومي، والتي تستقطب «إسرائيل» لها شبابها المتميزين.

أما في الجانب المؤسسي لمشروع الأمن السيبراني «الإسرائيلي» الضخم بنيت حديقة مكاتب تعرف باسم Cyberspark، وتستضيف شركات التكنولوجيا من جميع أنحاء العالم، إضافة للشركات الإسرائيلية الناشئة المتخصصة في خدمات الإنترنت والحلول الأمنية والتقنية، حيث يقوم Cyberspark بدعم تلك الشركات عن طريق صندوق لرأس المال الاستثماري Jerusalem Venture Partners بقيمة مليار دولار يستثمر في المتوسط 10 ملايين دولار في الشركات الناشئة الإسرائيلية في مجال الإنترنت.

Cyberspark اليوم موطن لحوالي 30 شركة عالمية، مثل IBM وEMC وCisco وPayPal وDeutsche Telekom وLockheed Martin. وكل بضعة أسابيع، تعلن شركات كبرى من الولايات المتحدة أو أوروبا أو شرق آسيا أو أمريكا اللاتينية عن خططها لفتح فرع للبحث والتطوير الالكتروني في بئر السبع. وتقدم الحكومة الإسرائيلية للشركات مزايا لمدة 7 سنوات بهدف استقطاب المتخصصين المهرة في أسرع وقت ممكن، وتتيح لتلك الشركات الوصول بسهولة للمواهب من خريجي وحدة الاستخبارات التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي، أو من جامعة بن غوريون. يجدر القول هنا أن اليهود يشكلون نسبة مهمة في معظم شركات التكنولوجيا العالمية العملاقة.

مهارات الإنترنت «الإسرائيلية» هي اليوم من بين الأفضل عالميا، وفضلا عن منطلق قدراتها التي ذكرتها آنفا، فهي تحسن استشراف المستقبل عن طريق الاستفادة من كل ما تختبره الدول المتقدمة في مجال الأمن السيبراني بحكم واقع ارتباط أصول كل الشركات والمرافق الحيوية ومصانع وشبكات الطاقة بشبكات الإنترنت وهو ما يعرف باسم إنترنت الأشياء الصناعي (IoT).

وبنظرة للمشهد السيبراني العام للسعودية والمنطقة، نجد أن المملكة تحتل المرتبة 16 في الدول الأكثر استهدافا سيبرانيا على مستوى العالم، وتعمل على مشروع نيوم كمدينة ذكية تعد نموذجا عالميا، وتعتزم إطلاق العملة المشفرة الموحدة مع الإمارات «عابر» في ظل توجه عالمي للعملة الالكترونية BITCOIN والذي تضاعف استخدامها في أزمة كورونا. أما إقليميا، فالمملكة جارة لدولة الإمارات التي أبرمت اتفاق سلام مع «إسرائيل» الدولة الأقوى سيبرانيا عالميا، وهناك اتفاقات مماثلة مرتقبة مع دول أخرى مجاورة. السؤال هل نحن جاهزون سيبرانيا استراتيجيا كالجارة الحاذقة الحذرة المترقبة الطموحة «إسرائيل»؟ هل تمتلك وزارة تقنية المعلومات والاتصالات خطة استراتيجية حذرة وطموحة ومترقبة أيضا بالتعاون مع الاتحاد السعودي للأمن السيبراني ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، والجامعات السعودية؟ ما هو عدد الشركات السيبرانية المتخصصة في السعودية وكيف هو أداؤها وما منتجاتها وكيف يمكن دعمها؟ أين نحن من التشريعات السيبرانية العالمية والمحلية؟ «إسرائيل» تؤمن بأنه لا يمكن تحقيق تقدم بدون الأمن، وأن الأمن أحد أكبر مثبطات التقدم، وترى ريادتها في مجال الأمن السيبراني ليس مكسبا محليا بل عالميا، وهذا يفسر فوزها بثقة كل من أستراليا والهند للتعاون معها في هذا المجال المفصلي.

ونحن اليوم نمتلك منطلق «إسرائيل» للتفوق وهو الهاجس الأمني، وعلينا أيضا تبني طموح التفوق والحذر لديها، فـ«إسرائيل» تحترم الأقوى لكنها لن تهب ما تمتلكه من قوة لمنافس لها. لذا حماية أمن بلدنا القومي سيبرانيا هو أمر استراتيجي يفترض أن نمتلك عاجل الرؤى والاستراتيجيات لحيازته.

Rabeahmansoor@