مرزوق بن تنباك

رفع عصا التخصص في وجوه السائلين

الثلاثاء - 18 أغسطس 2020

Tue - 18 Aug 2020

يشكو إخواننا طلبة العلم الشرعي كما يسمون أنفسهم ما يواجهون من الناس أو من يسمونهم العامة الذين يتحدثون عن الميراث الثقافي والتراثي الفكري بمجمله، ويناقشون ويجادلون فيه وينتقدون بعض الآراء والتفسيرات القديمة، وربما النصوص التي يعتبرها طلبة العلم الشرعي من اختصاصهم ومن حقهم ألا يتحدث بها غيرهم، ولا يقول بها إلا واحد منهم، ويعولون فيما يدعون على تاريخ طويل من الاعتماد على أن يكون الأمر لهم خاصة ومن سواهم لا يجوز له أن يتحدث عن شيء هم أعلم به.

ولم يسبق أن واجهوا مثل هذا الحال ولا أسلافهم من قبل، وهم على حق في بعض ما زعموا من دائرة التخصص العلمي في الحقول الشرعية التي هي مناط اتجاههم واجتهادهم.

ومع أن بعض الناس سيتعاطف معهم لأنهم كانوا يمارسون نشاطهم العلمي في دوائر مغلقة عليهم وخاصة بهم والخلاف بينهم - والناس بعيدون عنهم - والاجتهاد كذلك، ومن يسمونهم العامة كانوا في دوائر أخرى من دوائر الدنيا العريضة، لم يكن بين طلاب العلم الشرعي والناس اتصال أو مشاركة مباشرة إلا ما لا بد منه وهو القليل.

كانت دروسهم وجدلهم والاتفاق والخلاف محصورا في حلقات المساجد التي لا يغشاها العامة ولا يعلمون ما يدور فيها، وهذا ما جعلهم يستاؤون كثيرا مما يحصل في هذا الزمن حين شاركهم الناس قراءة التراث العربي والفكر الإسلامي ويتحدثون عنه ويقولون فيه وفيما فهموا منه.

لكن دوام الحال من المحال، فالناس اليوم عامة وخاصة أصبحوا يقرؤون ويعرفون مثلما يقرأ ويعرف أصحاب العلم الشرعي، لا سيما العلوم النظرية وما في التراث من نصوص مفتوحة للقراءة وليست مغلقة الفهم على أحد حتى من ليس من أهل التخصص الشرعي لكنه من أهل الاهتمام بالمشترك الثقافي، مثل أهل الاختصاص التجريبي كالطب والهندسة وما يتعلق بهما.

وطلاب هذه العلوم أو أكثرهم يحسنون تفسير بعض ما في التراث النظري من معان ودلالات لا يحسنها أهل القراءات النمطية، ومثل المتخصصين في العلوم الطبيعية كذلك المتخصصين في التاريخ وأهل الفلسفة والمنطق الذين يقرؤون الموروث قراءات مفتوحة على احتمالات شتى ومعان جديدة وتفسيرات ممكنة أملتها متغيرات الحاضر واختراعاته وإبداعاته، ولن يستطيع طلاب العلم الشرعي منعهم وليس من حقهم ذلك أيضا.

ما يستطيع طلاب العلم الشرعي ليس منع الناس بل تطوير مهاراتهم قبل غيرهم وتحديث قدراتهم ومواجهة الأسئلة التي تثيرها كثير من المرويات والنصوص التاريخية، يستشكلها المعاصرون، وهي أسئلة مشروعة وضرورية أن يجيب عليها الشرعيون إن كانت لديهم إجابة معقولة لما يثيره غيرهم.

التغيير الهائل في الأفكار وفي المخترعات وفي كل شؤون الحياة وشجونها لا يجعل التفسير التراثي للنصوص كافيا لما جد في الدنيا في الوقت الحالي، التغير الرهيب الذي أحدثته مخترعات اليوم وضروراته، لا يسمح بالاتكاء على الأرائك وترديد تفسير الأولين للنصوص، ما جد من ضروب التعامل مع الأحداث ومع الناس وبينهم يحتاج فقها جديدا وتفسيرا مواكبا وعقولا مفتوحة تقرأ النص لمتطلبات الحاضر وتجيب على التساؤلات المشروعة التي ملئت بها حياة الناس وشغلت فكرهم

اجتهادات الأولين وتفسيراتهم وآراؤهم كانت لزمانهم وعالجت حاجاتهم، واستجابت لأسئلتهم، ولكنها ليست للمعاصرين ولا تلبي حاجاتهم ولا تستجيب لمطالبهم، وطلاب العلم الشرعي إذا أرادوا إقناع المتلقي بما لديهم وبقدراتهم وتخصصاتهم فعليهم تصور مشكلات الحاضر وتساؤلات الناس وتفسير النص الثابت، مستصحبين الحال الذي يعيشونه وليس اجتهاد الأولين وتفسيراتهم، وإن لم يفعلوا فليس من حقهم رفع عصا التخصص الذي لم يعملوا به هم قبل غيرهم في وجوه المتسائلين.

Mtenback@

أضف تعليقاً

Add Comment