عبدالله العولقي

حول التغيرات السياسية

السبت - 04 يوليو 2020

Sat - 04 Jul 2020

عرفت السياسة في مفهومها الفلسفي أنها فن الممكن، ولذا فهي أكثر الميادين قبولا للتغيرات المفاجئة أو التقلبات الصادمة، وفي التاريخ الحديث حصلت تغيرات سياسية مهمة عصفت بالقرار العربي وتداعياته المؤثرة منذ الاحتلال الصهيوني لفلسطين والنكسة العربية وثورة الخميني والغزو العراقي للكويت وأحداث سبتمبر وغيرها، ولكن تظل فاجعة الربيع العربي هي الأفظع في الزمن الحديث، كونها أقحمت الشعوب المتورطة بأحداثها ضمن دوامة من العنف والتهجير والاحتلال إلى متاهة المستقبل المجهول.

خلال الثلاثة الأشهر السابقة، حصلت تغيرات سياسية عالمية مهمة سنستعرض أهم ثلاثة منها تتعلق نتائجها بمنطقتنا العربية.

أولى هذه التغيرات حصلت في الولايات المتحدة الأمريكية بانخفاض شعبية الرئيس الحالي دونالد ترمب وضآلة فرص نجاحه في الانتخابات المقبلة إلى درجة غير متوقعة، فبعد أن كانت أضواء البيت الأبيض ترحب به بشدة في ولايته الثانية شرعت آمال الرئيس وحظوظه تتضاءل أمام التغيرات المفاجئة. فالرجل الذي عرف بثقته العالية واعتداده المفرط بنفسه لدرجة أوصلته إلى تهكمه التنمري والإعلامي على خصومه ومناوئيه، بدأ يذعن لواقعه المرير ويعترف للمقربين له عن إمكانية هزيمته في نوفمبر المقبل. ولا يشك لبيب أن جائحة كورونا كانت اللعنة السياسية التي فتكت بشعبية الرئيس الجمهوري بين مؤيديه، فسوء إدارته للجائحة وإصراره على طرد أهم معاونيه كانا وراء انخفاض شعبيته في أهم ست ولايات مهمة موالية له، إضافة إلى أن ورقة الوظائف الأمريكية التي طالما غازل بها الأمريكيين طارت من يده بعد أن تفاقمت البطالة بصورة مرعبة كأثر طبيعي للجائحة الكورونية.

ثاني تلك التغيرات السياسية رصدها بعض المحللين في خطاب الرئيس المصري الأخير حول ليبيا، كون المنهجية العسكرية خارج حدود المحروسة قد عرفت منذ انقضاء العهد الناصري وخلال الخمسين عاما الماضية بالانكفاء الذاتي قدر الإمكان، ولكن التربص التركي المستمر بأمن القاهرة القومي أخرج المصريين عن صمتهم، وأجبرهم على رسم الخطوط الحمراء بكل شجاعة داخل العمق الجغرافي الليبي.

ثالث تلك التغيرات السياسية هو الموقف الإيطالي من الشأن الليبي، فحكومة السراج التي طالما اعتبرت روما حليفها الدائم وداعمها الرسمي في حلف الشمال الأطلسي (الناتو) فوجئت بتغير الموقف الإيطالي تجاهها، فالتربص العدائي التركي تجاه ثروة الغاز في البحر المتوسط أجبر الطليان على تغيير موقفهم الرسمي من حكومة السراج المتواطئة مع أنقرة، فأعلنوا عن توقيع اتفاقية تاريخية مع اليونان، الخصم اللدود لتركيا، تنص على ترسيم الحدود البحرية بينهما، كخطوة دبلوماسية استباقية تهدف إلى قطع الطريق المباشر أمام الأطماع التركية ومنع تفردها في امتيازات حقول الغاز المتوسطية.

أخيرا، تظل التغيرات السياسية ضرورة متحركة في السلوك البشري، إما لضمان جلب المصالح المبتغاة أو لدرء الأخطار المحدقة، وهي سمة تلازمية لكل سياسات الدول والحكومات، ولهذا نجحت الدول العربية التي تفطنت لأخطار التوسع الإيراني أو التركي وأحدثت تغيرات سياسية وإعلامية تجاه طهران وأنقرة، بينما تورطت تلك الدول التي سقطت في وحل الأجندة الأجنبية وأصبحت ضحية للابتزاز المالي لدرجة أنها الآن عاجزة عن الإفلات، وما دوحة قطر عن ذلك ببعيد.

@albakry1814

أضف تعليقاً

Add Comment