فيصل الشمري

كيف يرى اليسار واليمين أمريكا؟

الأربعاء - 10 يونيو 2020

Wed - 10 Jun 2020

في ظل السجال السياسي والمجتمعي في الولايات المتحدة الأمريكية الذي أدى إلى تظاهرات كبيرة وأعمال شغب في عدد من الولايات بسبب مقتل جورج فلويد بطريقة بشعة على يد رجل شرطة في مدينة مينيابوليس، استخدمت إدارة الرئيس ترمب مصطلح اليسار الرديكالي (انتيفا)، واستخدم المتظاهرون مصطلح اليمين المتطرف، ويجب علينا فهم كيف ينظر اليسار واليمين إلى أمريكا، وما هي تلك الاختلافات الجوهرية في نظرتهم لأمريكا ومكانها في العالم.

ينظر اليسار واليمين إلى أمريكا وتاريخها بشكل مختلف تماما. ينظر المحافظون إلى أمريكا كما نظر إليها الرئيس أبراهام لينكولن «أفضل أمل على الأرض»، وبينما يعترفون بعيوب أمريكا العديدة ينظرون إليها على أنها أفضل تجربة وأفضل مجتمع أنشئ، يساوي الفرص بين أفراد المجتمع ويمنح الناس من خلفيات مختلفة الحرية للعيش كما يريدون، فرص الثراء وصناعة حياة كريمة أكثر من أي مجتمع آخر، وأن أمريكا تدعم العمل الإنساني والخيري في أرجاء العالم وتدعم المنظمات الأممية أكثر من أي مجتمع في التاريخ، التجربة الأمريكية طورت العالم في العلوم والطب والفضاء.

من ناحية أخرى يرى اليسار أن أمريكا كانت وما زالت دولة سيئة للغاية، ليست أخلاقيا أفضل من القوى العظمى الأخرى وربما أدنى من الناحية الأخلاقية من دول أخرى.

وجهة نظر اليسار هي أن أمريكا تأسست من قبل أغنياء كانوا عازمين على حماية عرقهم وثروتهم وفي كثير من الحالات عبيدهم. كانت أمريكا ولا تزال متحيزة جنسيا غير متسامحة في كراهية الأجانب ومتعصبة. بلد يعاني من عدم المساواة المادية غير المقبولة، حيث تمتلك الشركات الغنية والكبيرة الكثير من القوة والنفوذ. كلما كانت الأيديولوجية أكثر (يسارية) كان تقييم أمريكا أكثر سلبية.

بالنسبة لليسار، فإن العيوب الأخلاقية في التاريخ الأمريكي هائلة، لكن كل الخير الفريد والخاص في الحالة والتجربة الأمريكية الذي قامت به داخليا وخارجيا يتم تقليله أو تجاهله. خذ مثال العبودية، هذه المؤسسة الفظيعة هي «البرهان» الأكثر شيوعا على الشر الأمريكي. ومع ذلك فإن المشكلة في هذا المثال هي أن كل حضارة في تاريخ العالم، حتى بما في ذلك المجتمعات الأفريقية، مارست العبودية غالبا على نطاق أكبر بكثير من أمريكا ولمدة زمنية أطول منها.

ولكن هناك سؤالان آخران حول العبودية يجب طرحهما من أجل إصدار حكم أخلاقي حول أمريكا، الأول: أي المجتمعات كانت أول من ألغى العبودية؟ وبما أن جميع المجتمعات كانت تحتوي على العبودية، فإن هذا سؤال يجب أن تطرحه بشكل أكثر أهمية ممن لديه عبيد. اتضح أن جميع المجتمعات التي ألغت العبودية كانت ذات طابع ديني إصلاحي ومن بينها الولايات المتحدة، كانت بداية السجال القانوني لإنهاء العبودية وتشريع القوانين منذ سنة 1775 وصولا إلى الحرب الأهلية الأمريكية وانتصار الشمال على الجنوب، هذه الحرب الأخلاقية التي راح ضحيتها أكثر من 500 ألف شخص وإعلان نهاية العبودية سنة 1865.

السؤال الثاني الذي يحتاج إلى إجابة هو: هل كانت أمريكا أفضل من الناحية الأخلاقية من المجتمعات الأخرى في كل المجالات الأخرى؟ الجواب هو نعم، بشكل نسبي.

أصبحت أمريكا تدريجيا الدولة الأقل عنصرية والأقل كراهية للأجانب في العالم. في أي بلد لا يتم قبول الناس من جميع الأعراق والأديان كأعضاء كاملين في المجتمع مثل المهاجرين إلى أمريكا. ولا توجد دولة في التاريخ قاتلت من أجل حرية الآخرين مثل أمريكا.

الحرب العالمية الثانية لولا تدخل أمريكا لكانت ألمانيا النازية والإمبراطورية اليابانية قوة عظمى مهيمنة على العالم اليوم بأيديولوجيتها العنصرية. ولولا تدخل أمريكا لوقف مجازر الصرب بحق مسلمي البوسنة لما بقي مسلم فيها. أو حتى تدخلها لإعادة الكويت لأهلها إبان الاحتلال العراقي لها.

على سبيل المثال، توفي 37000 أمريكي في كوريا، وهي دولة لم تقدم لأمريكا أي مكاسب اقتصادية. كان الهدف حماية الكوريين من الاستبداد الشيوعي. اليوم كوريا الجنوبية، حيث لا تزال القوات الأمريكية متمركزة، هي واحدة من أغنى البلدان وأكثرها حرية في آسيا. وفي الوقت نفسه، فإن كوريا الشمالية وهي الجزء الآخر من شبه الجزيرة الكورية الذي لم تنجح أمريكا في تحريره، هي الدولة الأقل حرية والأكثر فقرا على وجه الأرض.

بدون أمريكا سيعاني الناس في جميع أنحاء العالم من مزيد من الاستبداد والاستعباد والإبادة الجماعية. كما حدث في عهد إدارة أوباما عندما انسحبت أمريكا من دورها الدولي كقوة عظمى قائدة للعالم، توسعت روسيا لاحتلال أجزاء من أوكرانيا وتدخلت في سوريا مرجحة كفةنظام الأسد، وتوسعت إيران في الأراضي العربية، وتوسعت الصين في بحر الصين مهددة طرق الملاحة الدولية ودول المنطقة.

الدول التي بقيت فيها القوات الأمريكية لفترة طويلة بعد توقف القتال؛ ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية ازدهرت اقتصاديا ومعنويا. شهدت الدول التي تخلت عنها أمريكا مثل فيتنام عمليات قتل جماعي وأهوالا أخرى. ومع ذلك فإن اليسار ينظر إلى جميع حروب أمريكا منذ عام 1945 تقريبا على أنها تعبيرات عن إمبريالية القوة العظمى.

قبل أيام من الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2008 أعلن المرشح الديمقراطي السناتور آنذاك باراك أوباما «نحن على بعد خمسة أيام من تغيير الولايات المتحدة الأمريكية تغييرا جذريا».

هكذا بالضبط، يريد اليسار تغيير أمريكا جذريا. ويريد المحافظون الحفاظ على عظمة التجربة الأمريكية الفريدة وتحسينها عند الضرورة ولكن ليس تغييرها تغييرا جذريا. إذا تغيرت أمريكا جذريا، فلن تصبح أفضل من الدول الأخرى سوف تصبح مثلها.

@ mr_alshammeri

أضف تعليقاً

Add Comment