x
الخليل النحوي

الشيخ صالح كامل.. فطنة الخيل وضبحها

السبت - 23 مايو 2020

Sat - 23 May 2020

كانت للشيخ صالح عبداللـه كامل - وسع اللـه مدخله وأكرم نزله وتقبله في الصالحين من عباده - صلات معروفة بصالحي عصره، وكان من هؤلاء الشيخ الوالد، طيب اللـه ثراه، وخليفته الشيخ الحافظ متع اللـه به.

وقد شرفت بالتعرف عليه والاجتماع به في مؤتمرات وندوات وفي لقاءات ثنائية في المدينة المنورة والقاهرة وفاس ومراكش، كنت في كل لقاء أتعلم منه جديدا، لكنه كان يوهمني، بأدبه الجم وتواضعه المعهود، أنه هو المتعلم.

وكانت لنا في تلك اللقاءات، وعن بعد، مذاكرات ومشاورات بشأن مشروعات عظيمة أراد أن يتوج بها مسيرة حافلة بالعطاء المتنوع في خدمة الملة والأمة.

كان من تلك المشروعات بناء نظام اقتصادي تشاركي جديد مختلف عن النظامين اللذين هيمنا في العقود الماضية: النظام الاشتراكي على النحو الذي عرف به في نظم شمولية تغولت فيها الدولة على حساب الفرد والمجتمع، والنظام الليبرالي الذي تغول فيه الفرد على حساب المجموعة، وتمثل البنوك الربوية التي نشأت في الغرب محوره.

كان الشيخ صالح ينتقد ما مردت عليه هذه البنوك من كنز الأموال في يد أفراد قلائل، وقصر القروض والتمويلات على الأغنياء دون الفقراء، وما نتج عن ذلك من زيادة الحيف والغبن الاجتماعي والاقتصادي.

وذلك همّ عتيد ساور الشيخ الراحل على مدى عقود من الزمن، ودفعه إلى إنشاء شبكة بنوك البركة الإسلامية وإلى قيادة العمل المصرفي الإسلامي، كما حمل الهم ذاته في قيادته لغرف الصناعة والتجارة والزراعة على مستوى العالم الإسلامي، لكن الشيخ صالحا لم يكن راضيا عن ذلك كله.

كان يشكو من انحراف البنوك الإسلامية عن وظيفتها، وعدم انضباطها بضوابط الشرع ووقوعها في فخ محاكاة البنوك الربوية التقليدية، وقصرها معظم نشاطها في منتج واحد من المنتجات المالية ذات الصبغة الإسلامية (المرابحة).

نظر الشيخ صالح في واقع المشروعات الاستثمارية فوجد معظمها يتطلب شراء أرض، وشراء خدمات مكتب استشاري لمهمات الدراسة والمتابعة والتقييم، وشراء خدمات مقاول لأعمال البناء، وشراء خدمات مقاول آخر (في الغالب) لأعمال التجهيز والتأثيث، وشراء خدمات مجموعة من الموظفين والإداريين والعمال، مقابل مرتبات شهرية أو تعويضات عن الخدمة أو بالقطعة، ورصد أموال لهذه الأغراض كلها وللتشغيل ريثما تتوفر للمشروع موارد ذاتية مناسبة.

في كل هذه المراحل، تبدو العملية الاستثمارية شراء في شراء، ويظل المال عصب المشروع، وتكون عناصر الإنتاج الأخرى رهائن للمال، تابعة له. ولا يجد صاحب الفكرة مندوحة عن سلوك مسار ملغوم بالكوابح والمعوقات، وتظل الطريق مسدودة في وجه أي شخص أو جماعة لا تملك المال المطلوب ولا تستطيع الحصول عليه من بنك من البنوك.

كان الشيخ صالح كامل يتحدث بألم عن هذا الواقع ويتوق، بلهفة، إلى بدائل أكثر نجاعة وأمانة وأشد التصاقا بروح الملة ومقاصدها السامية.

وقد ارتسمت في ذهنه، وباقتداح أفكار أهل الذكر، معالم معمار تنموي رباعي الأركان تتعاضد فيه مؤسسات أو مراكز وأذرع للرصد والاستشراف، والتخطيط والتصميم، والتدريب والتقويم، والتنفيذ والتشغيل.

وكان يريد لهذا النظام الجديد أن يحل مشكلة التمويل بإدخال جميع عناصر الإنتاج في رأس المال، فبدلا من شراء أرض، يكون مالك الأرض شريكا في المشروع بما يقابل قيمة أرضه، وبدلا من شراء خدمات مؤقتة لمكتب دراسات، يكون الاستشاري شريكا في المشروع بما يقابل تكلفة الدراسات والتصاميم والمتابعة، أو جزءا من تكلفتها الآجلة، وبدلا من شراء خدمات مقاول لأعمال البناء، يكون المقاول شريكا في المشروع بما يقابل قيمة خدماته والمواد التي يصرفها في البناء، وبدلا من شراء الأثاث والأجهزة والمعدات، يكون المصنّع أو المزوّد شريكا في المشروع بما يقابل قيمة المواد التي يوفرها، وبدلا من اكتتاب موظفين وعمال برواتب أو أجور مقتطعة، يدخل هؤلاء بأسهم في المشروع مقابل مجموع المرتبات والمكافآت المتوقعة أو مقابل جزء معتبر منها.

وعلى هذا النحو تنحل، بنسبة كبيرة، مشكلة التمويل، ويكون كل طرف حريصا على الإتقان والأمانة والإنجاز لأنه شريك في مشروع يتوقع أن يستفيد منه على المديين المتوسط والطويل أضعاف استفادته من عملية بيع وشراء أو إجارة عابرة.

وكانت لدى الشيخ صالح أفكار حول سبل تفعيل هذا النظام والتعريف به وإقامة المنصات الملائمة للربط بين المتعاملين تحت مظلته (صاحب فكرة، صاحب أرض، صاحب خبرة، إلخ).

ولا يستغرب شيء من ذلك على رجل عرف عبر العالم، وفي بلدان الأمة على الخصوص، بسعيه الصالح في الإعمار والتنمية، بمقاربات إسلامية كان كثير منها، قبله، ربعا خاليا، وليعد من شاء إلى قصته مع البنك الذي أطلق معه عمليات تجارية إسلامية كانت محل تردد وتهيب حينها عند المصرفيين.

وإلى ذلك كان للشيخ صالح عطاؤه المعروف في ميدان الإعلام الإسلامي، وعنوانه الأبرز قناة اقرأ الفضائية وصحيفة مكة. وكان له عطاؤه في ميدان الوقف للأغراض الإنسانية والتربوية وأغراض الإنماء والتشغيل.

لكن للشيخ صالح أبعادا أخرى قد يجهلها كثير ممن لم يعرفوا منه إلا رجل الأعمال وفاعل الخير. لقد عكف في السنوات الأخيرة على مشروعات قال في بعض مقابلاته إنه نذر لها بقية حياته.

وكان في مقدمة هذه المشروعات تدبر القرآن وتحرير المفاهيم المكتنزة خلف مصطلحاته (مفرداته) واستكناه ما تحمله من رسائل متجددة لأهل العصر. وكان منها إعادة تدوين السنة وفرزها وتصنيفها وتبويبها وتوظيفها في خدمة الإنسان المسلم المعاصر.

وقد حرص، قبل رحيله، على أن يضع حجر أساس لهذين المشروعين من خلال مؤسسة اقرأ الخيرية لخدمة القرآن والسنة.

قبل أيام معدودات، وبالتحديد فجر الجمعة 22 رمضان (1441هـ)، تلقيت من الشيخ صالح رسالة يؤكد فيها عزمه على تطوير أدوات مالية جديدة مستقاة من الشريعة الإسلامية ومقاصدها، ويؤكد فيها حاجة الفنيين الذين سيعملون على تطوير هذه الأدوات إلى معرفة كل الموانع الشرعية التي جعلها القرآن الكريم والسنة النبوية خطوطا حمراء في المعاملات المالية، وما يتصل بها من أقوال الفقهاء ومداركها من نصوص الكتاب والسنة ومن الإجماع ومن القواعد والمقاصد المؤصلة.

وكانت بيده في هذا الشأن أعمال جليلة أنجزها علماء مبجلون، لكنه كان «طالب علم لا يشبع».. كان يبحث عن مزيد من الزاد المعرفي والفكري ليؤسس عليه مشروع الخدمات المالية الإسلامية الجديدة والنظام التشاركي الذي حلم به وعمل من أجله، وليؤمن به عملية التجسير بين التدبر في القرآن وإعادة قراءة السنة وبين إعمار الأرض وخلق فرص التشغيل وتغيير واقع الناس إلى ما هو خير وأفضل.

وكانت آخر رسالة تصل إلي منه بطاقة استدعى فيها كلمات ابن الجوزي الخالدة «إن الخيل إذا شارفت نهاية المضمار بذلت قصارى جهدها.. لتفوز بالسباق، فلا تكن الخيل أفطن منا، فإنما الأعمال بالخواتيم».. قال ابن الجوزي «فلا تكن الخيل أفطن منك»، وصوبها الشيخ صالح قائلا «فلا تكن الخيل أفطن منا»!

حسبت، لأول وهلة، أن المضمار الذي أشار إليه هو شهر الصيام الذي أوشك أن يودع، وإنه لكذلك، لكن حين بلغني رحيل الشيخ صالح وهو يصلي التراويح في العشر الأواخر، وحين تذكرت سعيه في خدمة القرآن والسنة النبوية، وانشغاله الكبير بهما، وبِلُغتِهما، وكبده في إعادة بناء الخدمات المالية والاستثمارية على أسس صافية نقية تمتح من معين الوحيين لتروي تربة الواقع المتغير؛ تذكرت أن المضمار هو العمر كله، لا الشهر وحده.. هو أعمارنا جميعا، وهو بالنسبة له ذلك العمر الزكي الذي أطلق فيه العنان لخيل الفكر والعمل تضبح ضبحا في ميادين الاقتصاد الإسلامي والمالية الإسلامية والتجارة الإسلامية والإعلام الإسلامي والأوقاف الخادمة للإعمار والتشغيل والإنماء والتعليم والعمل الإنساني.. وقس على ما قلته ما لم يقل.

لقد بذل الشيخ صالح الوسع لتفوز خيله بالسباق، وها هو يغادر الحلبة، موليا وجهه شطر المسجد الحرام وهو يقول «لا تكن الخيل أفطن منا»، ولسان حالنا يقول:

«واللـه إنا بفراقك يا أبا عبداللـه لمحزونون»، لكن عزاءنا أنك عشت لله ولخدمة عباد اللـه، وأنك ربيت جيلا ومهدت سبيلا وتركت في المضمار فرسانا الظن بهم أنهم لن يدعوا لواءك يسقط، وأنهم سيحثون السير على خطاك، وشعارهم:

نبني كما كانت أوائلنا

تبني ونفعل (فوق) ما فعلو

اهذا، وإن في اللـه خلفا من كل متخلف.

أضف تعليقاً