عبدالله محمد الشهراني

التدين في أحلى صوره.. الأولياء حقيقة

الأربعاء - 13 مايو 2020

Wed - 13 May 2020

هذه قصة حدثت في مكة المكرمة في حاضر الزمان، قبل سنوات عدة، راوي القصة وبطلها حيان يرزقان. حكى لي إمام وخطيب أحد أكبر مساجد مكة المكرمة أنه في أحد الأيام افتقدت جماعة المسجد شابا عمره قد بلغ الأربعين أو أقل، كان منتظما في حضوره إلى المسجد. شاب بسيط لا تبدو على مظهره ولا هندامه معالم التدين والالتزام، وبعد السؤال والاستفسار علم الجميع أن والدة الشاب قد مرضت ثم انتقلت إلى رحمة الله.

قررت جماعة المسجد الذهاب إلى منزل الشاب في اليوم نفسه لتقديم واجب العزاء. لم يبد مكان العزاء بالشكل المعروف أو المعتاد في مدينة مكة المكرمة، بل كان عزاء بسيطا داخل منزل الشاب. دخلت جماعة المسجد مجلس الرجال بعد أن استقبلهم الشاب، وتحدث أحدهم نيابة عن الجميع مواسيا وداعيا بالمغفرة والرحمة للفقيدة. ثم تعجب الجميع من قلة عدد الحضور، خاصة من أهل الفقيدة (أصحاب العزاء)، فسأل أحدهم: هل أنت وحيد والدتك أو غريب عن المنطقة؟! أجاب الشاب: في الحقيقة أنا لست بغريب عن المنطقة والفقيدة رحمها الله ليست والدتي. إجابة صدمت الجميع! وجعلت الصمت يخيم على المكان، ثم قال أحدهم: لكننا وحين افتقدناك سألنا عنك، فعلمنا من جيرانك أن والدتك كانت مريضة ثم ماتت! نعم الكل يظن أنها والدتي، حتى أبنائي ينادونها «جدة»، لكنها في الحقيقة ليست والدتي ولا صلة قرابة بيني وبينها رحمها الله.

القصة أنه في إحدى الليالي وحين كنت أنا وزوجتي نشاهد التلفاز مساء بعد مرور ثمانية شهور على زواجنا، طرق الباب، فإذا بسيدة كبيرة في السن يظهر على ملامحها التعب والإرهاق. وبعد نقاش وعدة أسئلة، تبين أنها تائهة، أو كأنها تفقد جزءا كبيرا من الذاكرة. استضفناها في المجلس عدة أيام، وخلال تلك الأيام لم أترك مكانا في مكة المكرمة إلا وتركت فيه معلومة عن السيدة، حتى يتواصل معي أحد من ذويها أو (معارفها). لم يتواصل معي أحد، فقررت أن أسأل في أماكن جديدة مع استمراري في متابعة الجهات التي تواصلت معها سابقا، ومع كل هذه الجهود لم يحدث شيء. فقررنا أنا وزوجتي أن نخصص لها غرفة ودورة مياه خاصة بها في شقتنا، وهذا ما حدث. سأل أحدهم: وكم مكثت معكم هذه السيدة، الشاب: قرابة عشر سنوات، إجابة أخرى صادمة، عشر سنوات! يقولها أحدهم مندهشا، يرد الشاب: هل عرفتم الآن لماذا ظن الجميع أنها والدتي!

الحقيقة أنني - وبعد سماع هذه القصة - وقفت أمام المرآة مسائلا نفسي: أي تدين والتزام نتحدث عنهما في حواراتنا؟ هل مازال فينا من يشبه الصحابة والتابعين حقا؟ هل هناك أناس بيننا يشبهون الملائكة بالفعل؟! من فينا يستقبل الغريب الآن؟ من منا يتقبل وجود شخص ثالث معه في أول سنة زواج! عشر سنوات بين إيواء وإطعام وإكرام وعلاج.

في الأرض أولياء أنزل الله عليهم الرحمة، أناس تتزن الحياة بهم ويعم الخير بسببهم.

@ALSHAHRANI_1400

أضف تعليقاً

Add Comment