محمد أحمد بابا

اظهر وبان عليك الأمان

الأربعاء - 18 مارس 2020

Wed - 18 Mar 2020

كثير هم الذين يبدؤون كلامهم ورأيهم بالإثبات، مستخدمين مبتدأ وخبرا في يقين أن كلامهم هو الصحيح، قائلين (الأمر أمر، والحق قولي، والليل ليل، والنهار نهار، والكلب كلب، والحمار حمار)، وبذلك يقصون كل من خالفهم لأنهم هم (إحدى) قواعد الحق.

وأكثر من هؤلاء هم الذين يبدؤون تصريحاتهم بالنفي التام، والموت الزؤام لمن خالفهم، محتفلين بحروف النفي (ما، لم، لا) ومذيقينها أحيانا بأس النهي أمرا في حديثهم (لا تفعلوا، لا تقولوا، لا يخدعنكم)، وهم بذلك يكشفون حقا يرونه لهم حين يقولون (ليس الأمر أمرا، ولا الرؤية رؤية، وما الكلب كلب، ولا الحمار حمار)، وبذلك يقصون كل من خالفهم في (أحدية) ذائعة الصيت.

في قوم البشرة الحمراء والشقراء تعودنا على سماع البريطاني يقول (أنا أعتقد)، والفرنسي يصرح (وجهة نظري) والأمريكي ولو احتد يقول (نحن نرى)، والفلندي يقول (ما نلمسه)، والروسي يقول (من تقييمنا للموقف)، والألماني يقول (توصلنا إلى)، والأسترالي ولو عبر قال (ما نسلكه)، وكثير مثلهم ويشبهونهم، تاركين ولو منفذ ضوء ليكون لهم مخالف يعيشون من أجل مناكفته.

ترك مسافة للعودة، وإفساح المجال لتغير الأمور وفق المعطيات، ومنح الفرص المستحقة لوجهات نظر أخرى، كل ذلك حرفة الأذكياء الراغبين في نتائج إيجابية لتلاقح الثقافات وتزاوج التصورات والاستفادة من عقول الآخرين.

في حين أن الجزم بغير (الإيمان) والتأكيد بدون حقيقة مادية مطلقة ضرب من التحكم الفردي في المعلومة، دونما حق ولا استحقاق، مما فوت على أجيال كثيرة أوقاتا سانحة لضم معرفة إلى أخرى، فتظهر الأمور الأقرب للحقيقة والأحسن في الممارسة بما يناسب الحال وظنيات المآل.

عندما تتغير النغمة في الخطاب الاجتماعي والفلسفي والديني باستخدام خيارات واسعة في اللغة العربية ترسل رسائل أمان لوجهة النظر المخالفة، لا شك حينها سيكون الشعار: اظهر وبان عليك الأمان.

وما الفكر البشري إلا طائر نطمح لصيده - كما صاد ابن قيم الجوزية الخاطر في كتابه الشهير - ولن يتأتى ذلك دون أمان نمنحه لحرية الطيران ثم ننتقي الأجمل والأفضل والأكبر ليكون حظنا من الفضاء.

وطالما الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها، فلا سهولة في الأخذ حتى يأمن كل لسان لسان من يحاوره توطئة لاستخلاص الحقائق، لا مصادرة يشرد معها كل ناو للقول ولو كان محقا.

وحيث الظن مفتاح التحكم في الحقائق، وأغلب الظن معتمد التشريع الفرعي، والدلائل محتملة النقض، فلا حق لأحد جزم بتصور إلا أن يكون من - علماء الغيب - وذلك الكذب والافتراء.

سمعت كثيرا مصطلح: أفضل الممارسات العالمية، والذي بات دارجا في ترويج النظريات والأطروحات الفلسفية، لأعرف من خلال ذلك أن استخدام اسم التفضيل آني الحكم فاتح الباب على مصراعيه لدخول ممارسات مستقبلية في سباق الأفضلية دون إقصاء.

والذي أقول: لنتعلم صناعة بيئة خصبة لأمان تام في القول والطرح، بصيغة التساؤلات حتى تهرع إلينا إجابات نخضعها للتحليل، فنخرج بأفضل التصورات العالمية في استشراف المستقبل.

albabamohamad@

أضف تعليقاً

Add Comment

مقالات ذات صلة