إلیك هذا النص المقتبس كما هو، والذي یتكلم عن عالم مسلم توفي قبل قرون (العلامة الكبیر الولي الشهیر المقدم الناسك الأصیل)، ثم تلاه الحدیث عن شخصیة أخرى (العلامة الجهبذ الفهامة المشارك المحقق الهمام المدقق القدوة الأجل الناسك المبجل)، ثم ثالث (العلامة الجلیل، الذي لا یوجد له في وقته مثیل، الكاتب النحریر والسیاسي الخبیر، علامة الدنیا على الإطلاق، وأدیبها وحكیمها بالاتفاق، حصل على فنون الأدب بأجمعها، وكانت له البراعة الكاملة في الإنشاء)، حیث (أذعن له في ذلك أكابر الأدباء، واعترف بتقدمه على غیره في ذلك لیوث الأقلام وشیوخ الإسلام، حتى اشتهر بذلك بین الخاص والعام، فإذا كتب في مسألة فلا تلتفت الأعلام لغیر ما حرره، ولا تعتمد على غیر ما سطره)! وتستمر المبالغة في المدح إلى وقتنا هذا. وهذا نص آخر من الثناء على طالب علم له حساب في تویتر، حیث یصفه أحد طلابه (العالم العلامة الحبر البحر الفهامة.. )، وغیرها من النصوص الطویلة من المبالغات والتصفیف الإملائي الذي یحمل تبعات خطیرة في باب صناعة القدوات.

المشكلة الكبیرة مع مثل هذه المبالغات التي ابتلینا بها، وامتلأ بها التراث الإسلامي، أنها تصنع حاجزا نفسيا بین هذه الشخصیة وبین القارئ، فیجد صعوبة كبیرة في استنساخ تجربته ومجاراته، فضلا عن التفوق علیه وتقدیم شيء یخدم البشریة الیوم! كیف تتفوق على شخصیة جمعت بین زمام القلم والكتابة والأدب والشعر والسیاسة والعلم والطب والاجتماع والشریعة والتفسیر وعلوم الذرة والهندسة وجراحة الكبد وعلم النفس في الوقت نفسه؟! الأكثر غرابة - وحزنا - أن الأسماء العظیمة في التاریخ الإسلامي، مثل أبوبكر وعمر وعثمان وعلي، تنطق هكذا بدون الحاجة لكل هذه الألقاب الممجوجة! وهذا یؤكد أن مرض (الإطراء) أتى لاحقا بعد الصحابة، وانتقل للقرون اللاحقة إلى یومنا هذا!

في المقابل تأمل كیف یسهل الغرب صناعة القدوات: علماء نوبل كل سنة، وهم من خدموا البشریة في اكتشاف علوم مختلفة، لهم لقاء یبث على یوتیوب، یجمع الفائزین على طاولة واحدة. مدیرة اللقاء تطرح تساؤلات خفیفة، ومضحكة عن حیاتهم البسیطة، داخل بیوتهم، وعن هذا الإنجاز الذي حققوه.

من المفارقات أنه ورغم الإنجاز الكبیر لكل عالم من هؤلاء، إلا أنه یقلل من إنجازاته، ویمنحك شعورا حقیقيا أنك تستطیع أن تكون في یوم من الأیام مكانه، والأهم من هذا وذاك، تنادیه مقدمة الحوار باسمه الأول فقط: جورج.. دیفید.. سام!

أرجوكم، سهلوا القدوات، قربوها للجیل الصاعد. هكذا یصنع القادة، وهكذا تنمو المجتمعات.

mhathut@