عندما يكون هناك طغيان طويل الأمد لأحد الجوانب في الحياة، فهو بالتأكيد سيكون على حساب جوانب أخرى بذات الأهمية، وسيكون مضرا وإن تظاهرت في سيماء القناعات بأنه شيء من الفاعلية وتفعيل الوجود، بل ستتبعثر إطارات الانسجام في تلك المعادلة الفطرية التي عبر عنها سلمان الفارسي (فأعط كل ذي حق حقه)، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وقال (صدق سلمان).

نقطة الاتزان في الأدوار المختلفة التي يعيشها الإنسان هي كل لا يتجزأ، والاضطراب في أحدها بشكل غير مؤقت يجعل ذلك الاضطراب منسحبا في بقية الأدوار الأخرى، وستظهر تلك الآثار ولو بعد حين. في كتاب للممرضة الأسترالية بروني وير التي كانت تعمل في إحدى دور الرعاية المختصة للعناية بالمرضى الذين فشل الطب في علاجهم محاولة قدر المستطاع أن تقف بجانبهم وتساندهم؛ كانت بروني تحاول دائما أن توجه سؤالا معينا لكل هؤلاء المرضى: ما أكثر شيء ندمتم عليه في حياتكم؟

تعددت الإجابات ما بين الذي كان يتمنى أن يصرف وقتا أطول مع عائلته، وإجابات المفهوم الحقيقي للسعادة، وغيرها من الإجابات المتعددة التي تعبر عن رغبة عميقة لدى أصحابها، والتي نشأت حتما من اعتلال لمفهوم التوازن في الحياة، وتضخم جوانب فيها على حساب أخرى تقع في الأهمية نفسها التي أدركوها وهم على حافة الانتهاء.

قد تتطلب بعض ظروف الحياة المتغيرة أن يكون هناك تركيز في فترة مؤقتة لطغيان جانب على آخر، وقد يكون ذلك توازنا وتفاعلا حكيما مع تلك الظروف، ولكن إذا تهادرت فيها الأوقات وأصبحت في عداد العادات، كانت اختلالا سيترك أثرا سلبيا في جانب آخر، فالذي يدمن مثلا العمل بعد انتهاء أوقات العمل، ولربما يأخذ شيئا من المهام لينجزها في منزله، وإن كان في ظاهره شيئا من الجد والالتزام والطموح؛ إلا أن الشك هنا قد يتساور حول إدارة الوقت بشكل فعال، والتي ستكون ربما بطريقة غير مباشرة لها انعكاسات على الجوانب الأخرى في الحياة، والتي ستكون آثارها مهما تأخرت على العمل نفسه فضلا عن الفعالية الشخصية ومفاهيم السعادة.

والنظرية النفسية التي قدمها العالم أبراهام ماسلو المعروفة باسم (هرم ماسلو)، والتي تعبر عن الحاجات الإنسانية التي تتدرج من قاعدة الهرم بالاحتياجات الفسيولوجية، كالحاجة للطعام والتنفس، وتنتهي بقمة الهرم في الحاجة لتحقيق الذات، تجد أنها قد تعطي مسارا جيدا لفهم نقاط الاتزان فيها، فمثلا التطرف يحدث هنا عندما يكون التركيز منصبا حول تحوير جميع الجهود في تأمين المال وتكديسه، مما يؤدي لجهود خافتة لتأمين الحاجات الأخرى أو السعي في تحقيق الذات في أشكاله المختلفة على حساب التفريط في الحاجات الأخرى، مما يخلق اضطرابا واضحا في تسلسل إشباع هذه الحاجات التي بالتأكيد ستفضي لحالات لا اتزان وضبابية في مفاهيم السعادة والفعالية.

إذا كان هناك إفراط واضح في الاهتمام بأحد جوانب الحياة دون غيره، وتحققت وعيا بأنه حالة لا اتزان، قف فورا وخذ نفسا وتأملا عميقا، واستحدث تلك المدخلات التي تعيد توازنك كي لا تتعطل مكامن السعادة وتجعلك مضطرا لبذل جهود كبيرة وأوقات كثيرة، لتخفيف تلك الأثقال التي عطلت حساسية ميزان الفاعلية والسعادة.

fahdabdullahz@