في الأيام القليلة الماضية ابتهج العاملون في مجال السلامة والصحة المهنية بصدور قرار وزير العمل والتنمية الاجتماعية أحمد الراجحي بتوطين وظائف السلامة والصحة المهنية للمنشآت العملاقة والكبيرة والمتوسطة، ويهدف القرار إلى تعزيز ممارسات السلامة والصحة بما يسهم في حماية سلامة وصحة العاملين والحفاظ على الممتلكات والبيئة، وتعزيزا لإيجاد فرص عمل جاذبة للمواطنين والمواطنات في مختلف مناطق المملكة في القطاع الخاص، والإسهام في تعزيز مفهوم بيئة العمل الجاذبة ولرفع مستوى مشاركة المواطنين والمواطنات في سوق العمل.

وهذا القرار جاء بعد القرار الآخر الذي سبقه قبل أقل من سنتين وهو اعتماد لائحة إدارة السلامة والصحة المهنية في تتابع لمسيرة التطوير في هذا المجال، وضمن التوجهات الحالمة في إطار البرنامج الوطني الاستراتيجي للسلامة والصحة المهنية، وسوف استعرض هنا مناقشة لبعض النقاط المهمة لما جاء في القرار:

أولا، التدرج الذي كان في القرار استوعب الفروقات الموجودة في نوعية المنشآت المهنية، وكذلك البعد الزمني وأعداد العاملين لكل منشأة، وتم توزيع نسبة العمالة في مجال السلامة بحسب نوع الأنشطة إلى فئتين، الفئة الأولى التشييد والبناء والبترول والغاز الطبيعي والكهرباء والمياه والغاز والخدمات الصحية والمناجم والمحاجر والتصنيع بجميع المجالات، والفئة الثانية جميع الأنشطة الأخرى.

وبما أن التطوير هو عنصر حيوي في الاستراتيجية المتبعة للسلامة والصحة المهنية لعله في قادم السنوات لو أضيف إلى هذه المعادلة عنصر تصنيف النشاط والشركة من حيث الأخطار الموجودة بها سيضيف إليها نوعا من التوازن، فالمنشآت الكبيرة من حيث عدد العمالة ولكن أنشطتها يغلب عليها أخطار متدنية؛ ليست كتلك المنشآت المتوسطة الحجم التي بها تعدد كبير في الأعمال ونوع الأخطار التي تتعرض لها مرتفع جدا، فالهدف الأسمى للسلامة والصحة المهنية تقليل المخاطر والحوادث، والتصنيف للمنشآت من حيث المخاطر التي تتعرض لها أو معدل الحوادث التي حصلت بها سيعزز الموثوقية أكثر للعدد المطلوب لخدمة هذا الهدف الأسمى.

ثانيا، المنشآت الصغيرة ومتناهية الصغر كما هو موضح في الدليل الإرشادي لا يشملها القرار، والسؤال هنا أيضا: ماذا لو كان هناك مصنع صغير يحوي أخطارا مرتفعة؟ كيف يمكن مراقبة وتنظيم أمور السلامة تجاهها؟ لذلك كانت إضافة عنصر تصنيف الخطر أيا كان حجم المنشأة في ظني ستوازن كثيرا مدخلات السلامة من حيث الإدارة والتنظيم والمراقبة.

ثالثا، ذكر القرار أن هناك مخالفات ستطبق بحق المنشآت التي تخالف أي بند من بنود هذا القرار، أرجو أن يوجد في قادم الأيام توضيح أكثر لقائمة المخالفات وتكرارها وكيفية التطبيق والمراقبة في هذا الجانب، حتى تكون المنشآت على دراية تامة بتفاصيل المخالفات التي قد ترهقها ماليا وقانونيا، ويكون في ذلك دافعا لتجنبها، بالإضافة إلى دافع حفظ الأرواح والممتلكات من التلف من خلال الأيادي العاملة السعودية.

رابعا، التصنيف الذي تم ذكره في القرار من حيث العمالة كمحترف أو ممارس والمتطلبات لهما سيحد كثيرا من ممارسات الظل التي تعملها بعض المنشآت، فقط لمجرد تحقيق النسب المطلوبة من الوزارة كتوطين أو بما يعرف بالسعودة، ولربما سنجد مستقبلا عمالة بمسميات وظيفية في جانب السلامة، ولديها أيضا المتطلبات كممارس أو محترف، وتعمل في مجال مختلف تماما، وأقول هذا الأمر لما لمسته من بعض المنشآت التي تؤهل كثيرا من موظفيها في جانب السلامة، رغم عدم عملهم المباشر فيها، ولا يمنع أن يكون هناك إجراءات أكثر تحرزا لمنع مثل هذه الممارسات، فجانب السلامة والحفاظ على الأرواح والممتلكات لا يمكن أن يكون لديه هامش لمثل هذه الممارسات.

أخيرا، مع هذا القرار المبهج والتوقعات الكبيرة جدا بحيوية هذا المجال الوظيفي، أصبحت الحاجة ملحة جدا لأن يكون هناك تعاون مثمر بين وزارة العمل ووزارة التعليم من خلال استحداث تخصصات سلامة ومكافحة حريق في الجامعات السعودية، حتى يكون العرض متوافقا مع حجم الطلب المتوقع في الجانب الوظيفي، فضلا عن أن التخصصات العلمية التي ترتبط بحفظ الإنسان والممتلكات تقع على رأس الأهميات بين مختلف التخصصات الأخرى.