ربما تصادفك بعض القرارات البسيطة التي اتخذتها من أجل هدف معين، وبعد المضي قدما واجهتك مشاكل وتحديات لم تستطع أن تتجاوزها، ومن ثم أقفلت هذه المهمة بفشل التحقيق، وتجد في نفسك شيئا من الحرج لأنك لم تتخذ القرار الصحيح حيالها.

لا يمكن أن يتم تحقيق هدف ما بفعالية وأنت تستخدم الأسلوب نفسه في تقريره، وعدم الاكتراث بالاطلاع على فحوى هذه التحديات التي سوف تمر بها وكيفية تجاوزها. هذه المسألة قد تحدث أيضا بشكل أكبر وأكثر تعقيدا في عالم الأعمال الكبيرة والمؤسسية بمجرد أن تنظر في كثير من القرارات التي كانت في إطارك العملي والاجتماعي، تجد أن هناك قرارات مثلا كان هدفها وفر مالي على المدى البعيد، وتجد بعد ذلك أنها كانت ذات إرهاق مالي، ولم يتحقق ذلك الهدف، أو قرارات ذات بعد يطور من الكفاءة التشغيلية مثلا، وبعد فترة من الزمن تجد تلك الكفاءة انخفضت، والسبب يعود لذلك القرار الذي أصبح أحد مدخلات هذه المشكلة.

أريد أن أناقش بهدوء هذه المعضلة التي نراها بين حين وآخر، خاصة في الأعمال المهنية والإدارية، وأستعرض لأهم النقاط من وجهة نظري التي توصلنا لمرحلة فشل التحقيق:

الأولى وهي قرار الشخص الواحد، فمهما كانت نجاعة وفراسة صاحب القرار لا تخوله حقا، فضلا عن حصافة في الرأي، أن يستفرد بالرأي دون المشورة من أهل الاختصاص، لا يمكن لأي مؤسسة إدارية أن تكون ذات فعالية وهي تدار من خلال رأي الشخص الواحد، ولا يمكن لها أن تستقر في تطورها وهي مغلفة بثقافة الشخص الواحد. انظر إلى الهدر الكبير الذي يحصل في الوقت والمال والمخرجات لتلك المؤسسات التي تدار بالرأي المتفرد.

الثانية هي عدم الاستغراق وأخذ الوقت الكافي لدراسة القرار وتحليل المشكلة، فالتعامل السطحي مع هذه المرحلة قد يجعل الأعمال تصب لحل مشكلة موجودة في الخيال وليست في الواقع، وأثبتت الممارسات المتعددة أن انحرافا بسيطا في توصيف المشكلة يجعل من الحلول ذات انحراف كبير جدا عن ذلك الوصف للمشكلة في بداية المسير.

الثالثة هي ما عبر عنه كونفوشيوس بعبارة أن حقيقة المعرفة هي أن نعرف أننا نعرف، وأننا لا نعرف ما لا نعرف، وهي كناية عن التواضع والواقعية والاعتراف بالجهل، وألا نقع في الغرور، فصاحب شخصية الكوب الفارغ يملك طاقة كامنة بأن يتعلم ويستشير ويتقدم، أما صاحب شخصية الكوب الممتلئ في الأغلب تكون قراراته جاهزة قبل أن تكتمل المعطيات وتنضج.

الرابعة هي الحالة المتناغمة بين الواقعية والتفاؤل، الواقعية عند اتخاذ القرار والتفاؤل أثناء تنفيذه، فالخيالات المثالية التي ليس لها صلة بالواقع تنتج قرارات أيضا بعيدة عنه، وكذلك التشاؤم بعد الانخراط في تنفيذ القرارات يجعل في الأغلب من التقدم يراوح المكان.

والأخيرة تكمن في روح التفكير الاستراتيجي، وهي سفر العقل مع الوقت والتنبؤ بكل التحديات التي قد تحصل ومعالجتها قبل أن تقع أو تكون الحلول مرصودة لاحتمالات وقوعها. ولي أحد الأصدقاء الأفاضل من جمال هذه الروح الاستراتيجية وبعد النظر لديه كان يناقش تفاصيل التفاصيل للمشروع الذي رأسماله قائم على أرباح المشروع الحالي الذي لم يبدأ بعد!

نستطيع القول إن الأعمال المؤسسية ستكون على مستوى حرفي عال في صياغة القرارات وتنفيذها إذا اعتملت فيها القوالب العلمية في صناعة القرار، من خلال العقول المتخصصة أو استعراض أفضل التجارب والتطبيقات المحلية والعالمية، فمن هنا يمكن أن نقول عن ذلك القرار إنه بدأ من حيث انتهى الآخرون، لا من حيث انتهت التجربة الشخصية لصاحب القرار.

@fahdabdullahz