يشكل الوعي الاجتماعي مجموعة من المفاهيم والتصورات والآراء والمعتقدات الشائعة لدى الأفراد في البيئة الاجتماعية، والتي تظهر بصورة واضحة في جزء من أفراد هذه الجماعة، ويتم التعبير عنها في مشاعرهم وسلوكياتهم، ثم يتبناها الآخرون لاقتناعهم بأنها تعبر عن موقفهم الجمعي، ومن شأن هذا الوعي الاجتماعي أن يشكل أفكار الأفراد تجاه أي موضوع اجتماعي في أي من موضوعات الحياة، مما يصور أُطرا معرفية لدى الجماعات، تتحول مع تقدم الزمن إلى مسلمات فكرية تفرض نفسها على السياق الثقافي القائم لتشكل العرف الموجود وتحدد لوائح من المعرفة الفكرية التي تترجم عن طريق اللغة، لتصبح سلوكا مجتمعيا ومرجعا معرفيا للمجتمعات.

وقد شارك في تشكيل هذه الأُطر المعرفية عديد من المؤثرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية والجماعات المرجعية في سياق تاريخي معين للجماعة، ومع التطور الذي صاحب التحديث والعولمة أصبح هناك مصادر للقوة جديدة، من شأنها أن تعمل بعشرة أضعاف القوة السابقة في صياغة المعرفة، والتي من أهمها التكنولوجيا والتقنية والاتصالات التي اتخذت من الإعلام ووسائل التواصل أدوات لغوية لطرح معارفها.

إن التقدم التقني في ميدان الاتصالات قد سلب الفرد حريته في انتقاء احتياجاته وأفكاره وتوجهاته، بل إنه في بعض الأحيان يشكل هيمنة أيديولوجية موجهة ترسم كثيرا من الجدل الفكري المعرفي حول العلوم والمعارف الجديدة، وساعد الانفتاح الثقافي هذه القوى الجديدة في فرض نفوذها الأيديولوجي والسير بالمجتمعات إلى الجدل المعرفي حول كثير من مستجدات الحياة، مما يشكل وجودا ثقافيا جديدا في إطار جدلي معرفي جديد، ومن ذلك الخلاف حول الأمراض ومضاداتها من لقاحات وأدوية، وقد تتكون المعرفة الصحية من عدة نماذج اجتماعية وثقافية للطبقات الاجتماعية، وكذلك تشترك مع جميع مقومات الإنسان في السيطرة على البيئة الطبيعية وتيسير سبل الحياة والوقاية من المخاطر، التي كان أحد مكوناتها المرض الذي حاول الإنسان السيطرة عليه بالوقاية والعلاج على مر الزمن.

أساس هذا المقال المعرفي هو العرض لطريقة تكون الوعي الاجتماعي للأفراد حول المعرفة التي تشكل الحقائق عن طبيعة الأمراض ودوائها، وإمكانية استغلال الصحة والمرض لفرض معارف أيديولوجية شعبية أو ثقافية أو متخصصة في المجال نفسه، وطريقة فهم الطبقات الاجتماعية لهذه المعارف وربطها بالحقيقة والواقع الاجتماعي.

إن البناء الاجتماعي للمرض هو منظور بحثي رئيس في علم الاجتماع الطبي. وقد جاء في دراسة أجنبية (Peter Conrad1 and Kristin K. Barker2,2010) أن منظور المرض يتكون من:

أولا: بعض الأمراض متضامنة بشكل خاص مع المعنى الثقافي التي تشكل كيف يستجيب المجتمع والأشخاص المتضررين من المرض.

ثانيا: يجري بناء جميع الأمراض الاجتماعية على المستوى التجريبي، على أساس كيفية فهم الأفراد لها وتقبلهم للمرض والتعايش معه.

ثالثا: المعرفة الطبية عن الصحة والمرض لا تعطى بالضرورة بطبيعتها الحقيقية، ولكن يجري بناؤها وتطويرها من قبل من له مصلحة من الشركات والمؤسسات والأطراف المعنية، سواء المريض أو الطبيب.

البنية الاجتماعية توفر موقفا مهما لاتجاهات مؤسسات الطب إلى حد كبير للصحة والمرض، ويمكن أن تساعدنا على توسيع الاستشارات والقرارات الفردية والجماعية تجاه الأمراض، وتؤكد فكرة البناء الاجتماعي للصحة والمرض الجوانب الاجتماعية الثقافية للاتجاه نحو الظواهر المادية والموضوعية التي يمكن تحديدها من قبل أصحاب المصلحة.

ويقدم علماء الاجتماع إطارا شاملا لفهم النتائج الرئيسية التي خلصت إليها السنوات الخمسون الأخيرة من التنمية في هذا المفهوم. تحت ثلاثة عناوين فرعية: المعنى الثقافي للمرض، والبناء الاجتماعي لتجربة المرض، والبناء الاجتماعي للمعرفة الطبية. (Peter Conrad1 and Kristin K. Barker2,2010)، وتستند فكرة البناء الاجتماعي لتجربة المرض على مفهوم الواقع باعتباره البناء الاجتماعي، أي إنه ليس هناك واقع موضوعي محايد، بل هناك فقط تصوراتنا الذاتية بحسب وعينا الاجتماعي. ويتناول البناء الاجتماعي لتجربة المرض قضايا مثل الطريقة التي يتحكم بها بعض المرضى التي يكشفون بها عن مرضهم وتطور أنماط الحياة التي يطورها المرضى للتعامل مع أمراضهم. (Barker, 2008).

وجاءت أهمية الطرح لهذا المقال بناء على مجمل الخلافات القائمة من أفراد المجتمع ومن المتخصصين كذلك في المجال الطبي حول الأمراض، فمنهم من يرى أن المرض خطير ويستحق سرعة الوقاية وسرعة استخدام اللقاح المضاد، ومنهم من يرى أن تضخيم الأمراض جاء نتيجة بناء اجتماعي متشكل ثقافيا، وأن المعرفة العلمية حول المرض صيغت بتضخيم مؤدلج من قبل أصحاب المصلحة مثل شركات الدواء واللقاحات والمستلزمات الطبية، وقد نخوض في هذا الجانب بين الحقيقة والواقع، وهما كلمتان متظاهرتان يظن قارئهما أن لهما معنى واحدا أو معنى متقاربا، بينما لكل منهما وجه يكمل الآخر. فالواقع هو أمر موجود، بينما الحقيقة هي فكرة أو فرضية قد تم التثبت منها، وتشكل العلاقة بين الحقيقة والواقع مقاربة للعلاقة بين الذات العارفة والموضوع الذي يصوغ المعرفة في تاريخ الأفكار الموجودة (فوكو، 1987).

أي إن محور الوعي الاجتماعي - المعرفة - والعلم لا يمكنه التخلص من دور الذات الاجتماعية في صياغة المعارف الصحية، ويتشكل المكون الأساسي لأفكار الذات العارفة من محيط السياق الوجودي للمعرفة نفسها، والذي يتأثر بالعالم المحيط ووسائل الاتصال فيه لنقل المعرفة، والفهم لدى الأفراد في المجتمعات يعني المعرفة المباشرة، وبالرغم من التعارض بين التفسير والفهم غير أن ذلك لا ينفي وجود صلة تقارب تكمن في أن الغاية الباطنية للتفسير هي الفهم الذي يستخدمه الإنسان للتمكن من صياغة أهداف المعرفة الظاهرة شكليا، وهي الرغبة في الوقاية من المرض (شاهين، 2010).

كما يعد الوعي الاجتماعي والصحي من أهم العوامل المسؤولة عن صحة الأفراد وحيويتهم، وهي تعني هنا إدراك الأفراد ماهية الشروط والمعطيات الاجتماعية التي تجلب لهم الصحة وطريقة التكيف مع المرض للمحيط الذي يعيش فيه ويتفاعل معه من معارف حسية أو مؤثرات مادية.

وقد نحتاج إلى فهم الحقيقة في المعرفة الرائجة ومتغيرات السياق التاريخي المؤدلجة إلى التأويل السيوسولوجي، وأقصد هنا بالتأويل عملية أعمق بكثير من التفسير، والتي وظيفتها الأساسية معرفة الغاية الكامنة من المعارف الواقعية حول الصحة والمرض في سياقها التاريخي، والقدرة على تحديد أهدافها المرغوبة من وراء صياغتها كحقيقة اجتماعية، وقد يتبين بهذا التأويل مدى تأثر المجتمع بالتطور التقني والاجتماعي في صياغة أفكار جديدة حول الصحة والمرض ومسبباتهما وطرق العلاج، وكيف أن المريض يستمد قرارته تجاه المرض حسب واقعه الاجتماعي وحسب المعارف التي تبث فيه من ذوي المصلحة. (شاهين، 2010).

reem05031@