أسبوع كامل ولم تفارق المخيلة صورة (نسالا) وحزنه الطويل عام 1904. قد يمر الإنسان بلحظات ألم، وفترات حزن، لكن قلب نسالا منح جميع الأحزان المشردة حق العيش والمواطنة. آهٍ يا نسالا، كيف استطعت أن تقطع جسر المعاناة فوق نهر من الدموع. أخبرني يا نسالا كيف قضيت تلك الليلة؟ أي حزن وأنت تتألم وترى (بقايا) لإنسان امتلك يوما تلابيب قلبك؟ أنت حتما في لحظة إنكار لقدرك الحزين.

تتذكر ابنتك الصغيرة، ذات الأعوام الخمسة، وهي تصيح مسرعة نحوك، وتهتف بصوت ملائكي بلغتها: أبي.. ثم تضع يديها الصغيرتين خلف عنقك. تزرع قبلة صغيرة على خدك تنسيك كل هموم وأتعاب يوم (المطاط) الطويل.

تتأمل هذه البقايا الطاهرة، والعصب المرتبط بالعين متردد، مرتبك؛ كيف ينقل الخبر لقلبك المكلوم يا نسالا؟ ذات اليد الصغيرة نفسها ملقاة أمامك. تسمع صراخها أمامك، تبكيك وتستنجد بك، لأنها لا تعرف في هذا الكون سندا غيرك. هي تبكي، وهي لا تعلم أن كل دمعة تخرق فتات قلبك.

كم في هذا الكون من أحزان! هذه صورة حقيقية لرجل اسمه نسالا، وهو - حسب رواية الزميل فيصل الشمري في تويتر - من دولة الكونغو، وقد أخذت الصورة عام 1904، عندما كانت محتلة من بلجيكا، وكان اسمها الكونغو البلجيكية.

طلب المحتل البلجيكي من نسالا أن يحضر حصة من المطاط بشكل يومي، وعندما تخلف في يوم عن إحضار الحصة المطلوبة من المطاط، قطع المحتل يد وقدم ابنة نسالا، ذات الأعوام الخمسة، واسمها بولاي، ثم وضعهما أمامه، حيث التقط مصور - على الأرجح بلجيكي - هذه الصورة، ونسالا يشاهد بقايا طفلته، حيث اجتمع في قلبه من الحزن وغبن الرجال ما لو وزع على أهل الأرض لوسعهم! ليس هذا فحسب، قتلوا زوجته وابنته بولاي بعد قطع أطرافهما، وهو يشاهد.

كل هذا كان بإدارة مباشرة من ليوبولد الثاني، حيث قاد الجهود الأوروبية الأولى عام 1885، وقتل في وقت سيطرته على مناطق أفريقية أكثر من 10 ملايين إنسان، من أجل (تطوير) أو سرقة منطقة حوض الكونغو.

ضمت الكونغو لبلجيكا عام 1908 باسم (الكونغو البلجيكية)، بالحديد والنار، ثم نالت استقلالها عام 1960، حيث تعرف اليوم باسم: الكونغو. من جهة أخرى كانت السفن محملة تذهب لأوروبا وأمريكا باسم السفر لبلاد الفرص والحريات، ثم بمجرد وصولهم لأرض الأحلام، تسلب إنسانيتهم، ويدخلون في مرحلة الاستعباد والرق. بعض الأفكار ترهق دماغك من كثرة التفكير بها، حتى تجد لك ورقة وقلما.

mhathut@