بداية، يجب أن أعترف أن علاقتي بالتجارة والاقتصاد (صفر) على الشمال، فلم أمارسها في حياتي إلا مرتين، الأولى وأنا في الصف الثاني الابتدائي بعد أن سمعت خطيب الجمعة يتحدث عن أن تسعة أعشار الرزق في التجارة، فقررت أن أكون أحد هؤلاء التسعة، وأقنعت إخوتي باستثمار مصروفهم الشهري في التجارة. كأن أشتري نيابة عنهم ألعابا من «فرّقنا»، وبيعها على زملائي بالصف، وتوزيع الربح بيننا. (وفرّقنا هو أمازون الزمن الماضي، مع اختلاف أنه يأتي إلى باب بيتك وعلى رأسه بُقشه محملة بكل ما تشتهي نفسك).

الشاهد؛ عندما عدت للبيت وراجعت غلة البيع، فوجئت بأنها أقل من قيمتها، فتعالت أصوات إخوتي وهم يطالبون برأس المال المدفوع + الأرباح، فتدخل والدي ـ رحمه الله ـ وفض الاشتباك بيننا، وعلمني بـ «طريقته الخاصة» خطأ ما ارتكبت. عندها قررت ألا أتعاطى التجارة إلا في منامي، حيث لا عقاب يتبع أفعالي أو خسائر تلحق بقراراتي.

الثانية كانت بعدها بثلاثين عامًا، وتحديدا في 2006، عندما وضعت تحويشة العمر في سوق الأسهم، ولأسباب لا يعلمها إلا الله، انهار السوق بعد ذلك بأيام، فخسرت «الجلد والسقط». أدركت بعدها أنني مثل ملايين السعوديين من العُشر الباقي، ممن لم تكتب لهم التجارة، فأقسمت على ألا أطرق هذا الباب أبدا.

ورغم بري بقسمي طوال هذه السنين، إلا أن مغريات طرح شركة أرامكو للاكتتاب، والأرباح المتوقع جنيها على المديين الطويل والقصير، جعلتني أعيد النظر في هذا القَسَم، وكيفية التكفير عنه قبل موعد الطرح، لأضمن فرصة الشراء في أسهم الشركة التي ظلت لسنوات طويلة علاقتنا بها كعلاقة الأخ غير الشقيق، الذي نسمع عن مزاياه ولا نراه.

ولا أخفي سرا إذا قلت إني من كثرة ما قرأت في نشرة الاكتتاب، وسؤال أصدقائي الاقتصاديين عن هذا الطرح غير المسبوق، وترديد مصطلحات جديدة على مسامعي، مثل: نطاق سعر الطرح، فترة بناء سجل الأوامر، متعهدو التغطية، وكيل التسوية الدولي، مدير الاستقرار السعري، وغيرها، أصبحت أحلم به يوميا.

ولعل آخر هذه الأحلام هو ما يستحق أن يروى، حيث رأيت فيما يرى النائم أن الحكومة قررت منح كل مواطن 10 أسهم مجانية، بما يعادل 210 ملايين سهم (باعتبار أن عدد السعوديين بحسب آخر إحصاء 21 مليون نسمة)، ثم سمحت للأفراد بالاكتتاب فيما تبقى من المليار سهم المخصصة لهم بحسب سعر الطرح الذي قررته.

ولتحفيز المضاربين وغير المضاربين على الشراء، حظرت عليهم بيع الأسهم الممنوحة نهائيا، للاستفادة من عائدها السنوي كاستثمار طويل الأجل لهم ولأبنائهم.

هذا القرار انعكس إيجابا على سلوك الناس، فأصبحوا يتقبلون الزيادة التي تطرأ في أسعار المحروقات والطاقة والمياه بصدر رحب، باعتبار أن جزءا من عائدها سيصب في مصلحتهم. كذلك تعاملوا مع المشاريع التي تمت إقامتها من عائد الاكتتاب، بحرص وعناية شديدين، كونهم مساهمين فيها. والأهم من ذلك، أصبحت جرعة المواطنة والولاء والامتنان للوطن وقيادته عالية جدا، لشعورهم بأنهم من أولويات حكومتهم.

هذا الأمر دعاني للسؤال: إذا كانت الحكومة تستهدف من بيع 5% من أسهم أرامكو (داخليا وخارجيا) تحصيل ما قيمته 375 مليار ريال، فما قيمة 6 أو 8 مليارات ريال لدعم المواطنة والولاء للوطن؟

وإذا كانت الحكومة ستمنح 10% أسهم مجانية لمن يحتفظ بأسهمه 180 يوما، أليس ضمان عدم بيع 21% من أسهم الأفراد لمدى الحياة يستحق هذا المبلغ.

أخيرا، أعلم يقينا أنه قد يأتي من يرى عدم قانونية ما ذكرت، أو يشير أحدهم إلى أن السعوديين ليسوا بحاجة لمقابل مالي لإظهار ولائهم ومواطنتهم وانتمائهم لبلدهم وقيادتهم. ولهؤلاء جميعا أذكرهم بدور الأب مع أفراد أسرته، فرغم إنفاقه عليهم طوال العام، إلا أن تذكرهم بهدية ولو كانت صغيرة جدا له بالغ الأثر في نفوسهم، فما بالك إن كانت تلك الهدية ستدعم مستقبلهم على المدى الطويل.

@Alnowaisir