X
رابعة منصور

العدو المفيد! والتفكير الجمعي لأبطال عصر السوشال ميديا!

السبت - 05 أكتوبر 2019

Sat - 05 Oct 2019

كم مرة تمر أمام ناظري جماهير السوشال ميديا عبارات من نوع «إسرائيل دولة قوية وناجحة ويجب أن نستفيد منها»، «لم ينلنا سوء من إسرائيل وشعبها كما نالنا من القريب»! واقعا مثل هذه العبارات تستوقف المتأمل (وما أقل المتأملين) عند محور جوهري للغاية، وهو منهجية التفكير في عصر السوشال ميديا. فلو دققت في تلك الحسابات القائلة بتلك العبارات ستجدها هي نفسها الحسابات التي تلعن «الفكر الجمعي الذي خلفته الصحوة»، و«أدلجة الصحوة»، و«غسل العقول بسبب الصحوة»!

هؤلاء «المفكرون المتنورون الحالمون» لم يعرفوا أنهم أشاروا لأنفسهم بإصبع الاتهام نفسه الذي يشيرون به إلى كل مشاكلهم الواقعية والخيالية، وربما الفضائية حتى! لأنهم ببساطة كشفوا عن منهجية التفكير العاطفي اللامنطقي الذي يذمونه ويدعون الناس لنبذه، ويحثون الدولة على تجريمه!

فالمرتكز الذي ارتكزت عليه الآراء القائلة بجمال «العدو القديم» لم تعلل أسباب ذلك الجمال، ولم تبحث وتستقص لتدعم رأيها مثلا بأثر إسرائيل الإيجابي على الدول التي لها اتفاقيات سلام قديمة معها.

والعجيب أن أصحاب الحسابات التي تلعن سيطرة الدين وأيديولوجياته ومؤدلجيه، هم أنفسهم الذين يزينون الدولة الدينية الوحيدة التي قامت على الأدلجة والأيديولوجيات! ولا أبلغ في هذا المقام من قول الشاعر:

وإذا عتبت على السفيه ولمته

في مثل ما تأتي فأنت ظلوم

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

عار عليك إذا فعلت عظيم

يا سادة يا كرام، أفيدكم علما بأن وطنا بحجم وأهمية السعودية يحتاج أن ندعمه بإدراك واع يتناسب والمال والمجهود الذي يبذله تجاهنا، والتطلعات التي ينشدها منا كشعب لحمايته وبنائه في عصر التحديات الذي تعيشها تحديدا بلدنا والمنطقة بصفة عامة.

يا سادة يا «تنويرين»، الوطن يحتاج منكم أن تعرفوا إسرائيل كما تعرفكم هي. إسرائيل خلقتها عقول ليست كعقولكم في شيء، فالعقول التي صنعت إسرائيل وتديرها اليوم كثيرة البحث، عميقة التفكير، بعيدة الاستراتيجية. إسرائيل لم تكن يوما سوى حلم أفراد أوربيين معدودين كل أمانيهم المواطنة الحقة التي كانوا يفتقدونها في أوروبا. عقول معدودة خلقت تاريخا وجغرافيا جديدين لإنجاح مشروعها، عقول أحيت لغة كانت قد ماتت تقريبا، عقول خلقت لكيانها حتى الأبطال ليكونوا القدوة في كيانها الجديد! وخلقت حتى الفلكلور ووصفات الأكلات! عقول ملحدة لكنها استخدمت أيديولوجية الدين لتحقيق هدفها، تماما كما استخدمت يد حديدية ضربت بها البريطاني واليهودي كما ضربت بها العربي في سبيل تحقيق هدفها.

نعم تكلموا عن إسرائيل لكن ليس بعقلية العاطفة وردود الأفعال التي يشاهدها الإسرائيلي ويضحك في سره لما يراه، بل اذكروا إسرائيل بالطريقة التي تخدم بلدنا، اقرؤوا إسرائيل كما تقرؤكم. فكما درست إسرائيل تاريخنا الجغرافي والبشري بكل تفاصيله المملة، لا بد على أقل تقدير من أن نعرف ما هي القاعدة التي قامت عليها هذه الدولة، ألا وهي مرحلة الرجل المريض لدولة تدين بالإسلام استمرت نحو 600 عام، وامتدت لتشمل أنحاء واسعة من قارات العالم القديم الثلاثة أوروبا وآسيا وأفريقيا، وسيطرت بالمطلق على بحار المتوسط والأحمر والأسود والعربي بالإضافة للمحيط الهندي. تلك الدولة كانت تعتبرها أوروبا آنذاك ندا يحسب له حساب بين موازين القوى الكبرى، وهو السبب الجوهري الذي على أساسه تمت دراسة كل سمات الدولة العثمانية بدقة متناهية، وضمن تلك الدولة كانت تقع المنطقة العربية الممتدة بلغة واحدة وأغلبية دينية واحدة وتنوع ثقافي وإرث حضاري، وثروات تخولها للاكتفاء الذاتي، وبالتالي الاستقلال التام وربما السيادة وصياغة واقع جديد بعد سقوط الدولة العثمانية.

نعم من الذكاء أن نذكر إسرائيل لكن بعد أن نعرف كيف أدارت مراكز أبحاثها التي تدرس كل شاردة وواردة حتى قبل تأسيسها، كمعهد هنريتا سالد الذي أسس عام 1941. مراكز أبحاث اهتمت بتطوير بحوث متعددة التخصصات وواسعة النطاقات، شملت كل مكونات الأمن القومي السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية، والتي ساهمت وتساهم في تشكيل التصورات لدى صناع القرار والمسؤولين الإسرائيليين لهدف فهم النظام الداخلي والسياق الدولي والإقليمي العربي الذي تقع ضمنه إسرائيل.

لنتحدث عن إسرائيل علينا أن نعرف أنها لا تتواصل معنا عشوائيا مطلقا كما نفعل نحن، بل عبر أبحاث جادة درست فاعلية استخدام سلاح السوشال ميديا كما استخدمت سابقا السينما والإعلام العالمي، لتشكيل الصورة العربية جنبا إلى جنب مع تشكيل الخطاب العام المتعلق بأمن «إسرائيل» القومي، واليوم تتعامل إسرائيل مع شركات سيبرانية و»إنترنتية» في صياغة منظومة البحث والتعامل مع السوشال ميديا ومستخدميها في شبكات التواصل الاجتماعي لخدمتها.

من الحصافة أن نستفيد من تجربة دولة صغيرة خصصت 4.1 % من ناتجها القومي في 2018 للأبحاث، وهو أكثر من ضعف ما تنفقه كل الدول العربية مجتمعة. دولة صغيرة دخلت إلى الصين في غفلة العرب عبر منظمات موالية لإسرائيل، لحشد أكبر عدد ممكن من أقلام وعقول العملاق الصيني نحو إسرائيل وسياساتها. لكن أيضا يجب أن نعرف أن داخل إسرائيل قائمة على العنصرية، وأنها أكثر دولة في العالم تهتم بتدريس المواد الدينية وفقا لتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD حول التعليم في العالم.

خلاصة القول، نحن السعوديين قادرون، لكن العاطفة ما زالت هي المسيطر الأول على صياغة تفكير الأغلبية الساحقة، وهو ما لا يخدم وطننا بالمطلق. وطن كالسعودية يستحق أن يكون تفكير شعبه بقدر حجمه وأهميته وتحدياته. نعم تغير المواقف وفق سياقات ومعطيات الواقع أمر حتمي، بشرط أن يكون التغيير واعيا ومدركا لكل التفاصيل وليس عاطفيا. الوعي هو الدرع الأول للوطن، وهو عامل مهم تبني على أساسه أي دولة مبدأها في التعامل معنا، خاصة في عصر القرية العالمية الواحدة، والسعودي ليس بأقل إدراكا من شعوب المنطقة الأخرى التي استخدمت اللغة العبرية لمعرفة الإسرائيلي وليس فقط لتبادل التحايا معه!

Rabeahmansoor@