فاجأني أحد الأصدقاء قبل أيام عندما أرسل لي قائمة من 12 بندا، تمثل مجمل المبالغ والرسوم المفروض أن يدفعها أي شخص يفكر في تأسيس مشروع تجاري بسيط.

وختم رسالته بعبارة «وش بقى لي كمستثمر إن كنت مطالبا بدفع رسوم المقابل المالي، التأمين الطبي، الإقامات، التأمينات الاجتماعية، الزكاة والدخل، السجل التجاري، الغرفة التجارية، أبشر، البلدية، إيجار المحل، رواتب العمال، الكهرباء».

شخصيا لست بصدد مناقشة هذه الرسوم، ولا السؤال عن عدالة المساواة في تطبيقها على أصحاب المشاريع الصغيرة والكبيرة على حد سواء، أو أنه من الأفضل لو منحت هذه الفئة امتيازات خاصة، لضمان استمرارها ونجاحها، وصولا إلى جعلها رقما مؤثرا في الاقتصاد الوطني.

ولكن ما يعنيني هنا الإشارة إلى أن جميع هذه الإجراءات والتنظيمات التي وضعتها الجهات ذات العلاقة لتنظيم قطاع الأعمال على «الأرض» ليست موجودة أمام من يعمل في «الفضاء الالكتروني»، خاصة عندما يكون الحديث عن قطاع الإعلام.

ولمعرفة الفرق بين الاثنين دعوني أصحبكم في هذه المقارنة بين الاشتراطات الواجب توفرها في شخص يرغب بالحصول على ترخيص لممارسة نشاط إعلامي، وآخر يمارس هذا العمل في منصات التواصل الاجتماعي.

في الأول، يشترط أن يكون المتقدم سعودي الجنسية أو مستثمرا خليجيا أو أجنبيا مصرحا له بالاستثمار. وألا يقل عمره عن 25 عاما. وألا يكون موظفا حكوميا. وحاصلا على مؤهل مناسب للنشاط. مع ضرورة حصوله على شهادة جامعية وخبرة خمسة أعوام إن رغب في تقديم خدمات استشارية أو صحفية. كما أنه مطالب باستخراج سجل تجاري، وتأسيس مقر للنشاط، أضف إلى ذلك تحمله قائمة الرسوم السابق ذكرها في أعلى المقال.

أما في الثاني فالأمر متاح لأي جنسية، للمواطن أو المقيم سواء كان نظاميا أو مخالفا، كما يمكن لأي أحد أن يمارسه حتى وإن كان قاصرا. ولا مانع أن يكون موظفا حكوميا. ولا يشترط أي مؤهل دراسي. ولا التمتع بأي خبرة. وليس مطالبا بفتح سجل تجاري، أو توفير مقر لنشاطه، ولا دفع أي رسوم. وليس مطالبا بتقديم إقرار ضريبي ولا دفع ضريبة القيمة المضافة.

ليأتي السؤال المنطقي: لو كنت ذا عقل حكيم فأي الخيارين ستتبع؟ الأول بتعقيداته أم الثاني بانفلاته؟

الغريب أن هذه الفوضى تتم على مرأى ومسمع من الجميع، وبمباركة مسؤولي الجهات الحكومية أنفسهم، ممن يسمحون باستضافة هذه الفئة غير النظامية في كل المحافل، الداخلية منها والخارجية، والدفع لهم من خزينة الدولة بمئات الألوف للترويج لهم ولبضاعتهم، مخالفين بذلك تنظيمات صريحة وواضحة صادرة عن وزارات العمل والتجارة والإعلام والمالية وهيئة الزكاة والدخل!

الطامة الكبرى عندما يتم تقديم أصحاب هذه الفئة باعتبارهم إعلاميين، وهم في حقيقة الأمر مندوبو إعلان أو تسويق أو سنابيون أو يوتيوبريون، في تعد سافر على مهنة الإعلام والإعلاميين.

وتتعاظم المشكلة بعد أن انتقلت العدوى إلى بعض المقيمين من جنسيات عربية، ممن تجرؤوا على الحديث باسم السعوديين، ومارسوا نشاطا مخالفا لما هو مدون في إقاماتهم، أو عملوا لدى غير كفلائهم، أو امتهنوا التجارة دون تصريح رسمي.

واعتراضي هنا ليس عليهم كونهم وجدوا مساحة منفلتة فاستثمروها، بل على من غض الطرف عن تجاوزاتهم (مواطنين كانوا أو مقيمين)، وجعل من جدار الإعلام قصيرا، يستطيع أي كان تجاوزه بشاشة جوال وقائمة متابعين.

@Alnowaisir