سعدت قبل أيام بتلبية دعوة وزير التعليم الدكتور حمد آل الشيخ لمجموعة من الإعلاميين المهتمين بالشأن التعليمي في مكتبه بجدة.

كشف الوزير خلال اللقاء عن أبرز التحديات والضغوطات التي واجهته منذ تسلمه مهمته وزيرا للتعليم، بدءا من هيكلة الوزارة وإدارات التعليم، مرورا بتراجع المملكة عالميا في مؤشرات التحصيل التعليمي، وانتهاء بمشروعي لائحة الوظائف التعليمية الجديدة وتطوير التعليم بركيزته الأساسية الطالب.

والحق يقال، وأنت تستمع للوزير وهو يتحدث بشغف عن التعليم والتحديات التي تعترضه، والخطط المزمع تنفيذها، يبعث في داخلك كثيرا من التفاؤل والسعادة، ليس لكونه أحد أبناء هذه الوزارة السابقين، وبالتالي يعرف كثيرا من خبايا هذا القطاع ودهاليزه ومقوماته، ولكن لقدرته على وضع الخطط الكفيلة بإصلاح اعوجاج هذا القطاع، وجرأته على تجاوز عقباته.

المشكلة الوحيدة عندما سألت الوزير عن هذا المشروع الحالم، وهل هو مشروع «حمد آل الشيخ» أم مشروع الدولة؟ كانت إجابته صريحة ومباشرة، بأنه ملزم بتنفيذ هذا المشروع طالما ظل على رأس الوزارة، ولكن إن غادرها فلا يعلم ما هو مصيره.

هذا الأمر يعيدنا إلى نقطة البداية، فما كان قبل الوزير آل الشيخ هو مشروع «أحمد العيسى»، والذي قبله مشروع «عزام الدخيل»، والذي قبله مشروع «خالد الفيصل» و«فيصل بن عبدالله» و«عبدالله العبيد» و«محمد الرشيد»، مما يعني أننا ما زلنا ندور في الحلقة المفرغة نفسها من التجارب غير المنتهية لأنماط وأشكال التعليم المختلفة، ناهيك عن القرارات الاستراتيجية التي تتبدل بتبدل الوزراء، فأحدهم يجعل الطالب جل اهتمامه، ليأتي الآخر ويرى أن البداية يجب أن تكون بالمعلم، ولكن سرعان ما تصبح العلة في البيئة المدرسية مع قدوم الثالث، ليخالفه الرابع ويعتقد أن الإصلاح يجب أن يكون للمنهج التعليمي («التعليم.. وزير يقرر وآخر يلغي» صحيفة مكة العدد 2031 الأربعاء 28 أغسطس 2019).

لتكون المحصلة في نهاية الأمر مخرجات رديئة، وثباتا عند المربع الأول، وموقعا متدنيا في مؤشرات التحصيل العالمية، رغم الإنفاق الهائل على هذا القطاع بشقيه العالي والعام، مقارنة بدول أخرى لا تنفق ربع ما تنفقه المملكة، ومع هذا تتصدر سلم الترتيب العالمي.

المصيبة أن سلسلة التجريب، وتبدل الأولويات، ليست حكرا على وزارة التعليم، بل هي لعنة طالت معظم الوزارات الخدمية، كالعمل والصحة والبلديات وغيرها، والتي رغم تعاقب الوزراء عليها، إلا أن حركتها ظلت محصورة بين خطوة للأمام وخطوتين إلى الخلف، فلا البطالة انحسرت، ولا قوائم انتظار العلاج تقلصت، ولا خدمات الشوارع والمخططات اكتملت.. فهل المشكلة في الوزير أم في التنظيم؟

الأكيد أن مسألة اختيار شخص ما لمنصب «وزير» هو أمر في غاية التعقيد، ويخضع لاشتراطات واعتبارات عديدة يضعها صاحب القرار فيمن سيكلفه بهذه المهمة، علاوة على أن الشخص محل الاختيار يخضع للتدقيق والبحث والتمحيص في شخصيته ومؤهلاته ومقدرته على النجاح في إدارة القطاع المزمع تكليفه به، لضمان تحقيق تطلعات القيادة تجاه مواطنيها.

ويبقى السؤال:

لماذا لا يُمنح الوزير قبل تكليفه بالوزارة فرصة لعرض مشروعه التطويري أو الإصلاحي (إن كان لديه مشروع) على مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية أو أي مجلس آخر يجري إنشاؤه لهذا الغرض، بحيث تجري دراسة هذا المشروع من جوانبه كافة، والتعديل عليه، ومن ثم إقراره ودعمه بإرادة الدولة.

أو أن يكون للمجلس «مشروع استراتيجي» واضح ومحدد للقطاع، فيُؤتى بالوزير المقترح لشغل هذا المنصب لمعرفة خطته لتنفيذ هذا المشروع تحت رقابة المجلس.

وبالمراجعة الدورية يمكن للمجلس محاسبة الوزير إن أخل بتنفيذ بنود المشروع، أو تخلف عن المضي به وفق الجدول الزمني المعتمد، فيكون تدخله - أي المجلس - إما بإزالة العقبات التي تعترض الوزير، أو التوصية باستبداله بآخر إن ثبت فشله في تحقيق المطلوب منه، ليكمل الخَلَف ما بدأه السَلَف، وصولا إلى استكمال مشروع الدولة وليس مشروع الوزير.

@Alnowaisir