بعيدا عن المصطلح وظروف نشأته، فإن القوة الناعمة تظل هدفا يُسعى إليه، ويسعى إليه كثير من صناع القرار في الدول المختلفة، بعضهم يراه في الفنون، وآخرون يختزلونه في صرعات الموضة والعطور، وبعضهم يحصره في قناة تلفزيونية أو وسائل إعلامية تعيد تشكيل وعي المتلقي وتوجيهه إلى الوجهة التي تضمن للمصدر المؤثر ريادة وتنفذا وتمكينا.

من وجهة نظري، تظل الأفكار هي النموذج الأمثل للقوة الناعمة، فهي منعطف مهم على مستوى التاريخ، فما قبلها شيء وما بعدها شيء آخر، وبين القبل والبعد، يحضر التجلي الذي يجعلها نزعة توافقية عند المؤمنين بها، والمخالفون يزيدونها وهجا لتصبح وسيلة تنفذ وحضور في محيطها الصغير قبل أن تنمو لتكتسح جوارها الجغرافي وما جاوره.

على المستوى العربي كانت مصر رائدة في هذا المجال، كونها كانت تختزل العرب في فنونها ومسارحها وتقدمها وثقافتها، في أعلامها وإعلامها، في تاريخها وجغرافيتها، في صوت العرب إذاعتها التي كانت المصدر الأكثر موثوقية عند الجماهير العربية سبقا وجمالا، وترفيها وسرعة تأثير.

أما على المستوى الخليجي فللكويت حكايات مع القوى الناعمة وصورها المتناغمة، ففي عام 1958 صدر العدد الأول لمجلة العربي الكويتية، تلك المجلة التي رعاها أمير الكويت الحالي، فكانت بحق أول إصدار خليجي يجسد صورة القوة الناعمة، ومن الغريب أن هذه المجلة الكويتية في سبقها على مستوى الحضور والتأسيس والتجلي قد سبقت استقلال الدولة الأم الذي كان عام 1961!

أما قطر فلها مع القوة الناعمة شأن آخر، فبعد انقلاب الابن على أبيه، تم إنشاء قناة الجزيرة لتكون الذراع الطولى للقصر الأميري ولوزارة الخارجية القطرية. أراد صناع القرار في قطر أن تكون تلك القناة قوتهم الناعمة للحضور والتأثير، ولعل بواكير الانتشار الأولى قد أعمت عيون صانع القرار القطري عن حقيقة ما جرى، فالقناة في كادرها الأعظم كان على مستوى الأفكار والتجربة رجيع مراحل سابقة، منهم العلماني والشيوعي والمنتسب للإسلام تنظيما سياسيا، ناهيك عن غربتهم فجلهم يحمل الجوازات الغربية، وهذا ما يجعلهم غرباء في أرض غريبة! هذه الخلطة من الأفكار والجنسيات كانت وما زالت يجمعها الدولار ويفرقها عدمه وندرته، وبالتالي فإن شرط الإيمان والانسجام مع الفكرة الأم وأرضها وشعبها كان منتفيا، وبالتالي لم تستطع الجزيرة صناعة قوة ناعمة لقطر، فكل ما تمارسه لا يخرج عن صور الردح والمدح تبعا لموجات رضا الدوحة اليوم واحتقانها غدا!

قناة الجزيرة مثال حي لسوء فهم وتطبيق مفهوم القوة الناعمة، خاصة عند الدول التي لا تملك من وسائل الحضور سوى المال والمال فقط.

في الشرق الأوسط تبرز السعودية كدولة محورية قوية، تستمد قواها من عديد من الأسس والمفاهيم، فالحرمان الشريفان وما يرتبط بهما من شعائر وأركان ووجدان تجعل السعودية الرقم الأصعب في مفهوم القوة الناعمة، فرأس الدولة يتشرف بخدمة البيتين، والشعب يرى في ذلك الشرف منحة إلهية اختصته وجعلت له خصوصية شريفة تنبع من خصوصية المكان وشرفه وقداسته، هذا الشرف بمعناه الأخلاقي هو قوة ناعمة تجعل البعض يستشيطون غضبا وحقدا دفينا على هذه البلاد وأهلها، وذلك مؤشر مهم لنجاعة هذه الخدمة التي تقدمها البلاد ويؤمن بها العباد للأماكن المقدسة وزوارها.

بعد ذلك تمتاز السعودية بتنوع على مستوى الجغرافيا والإنسان، هذا التنوع ينتج إنسانا مختلفا متميزا عن الآخرين، تتشكل بهذا الإنسان لوحة فسيفسائية من الجمال على مستوى العادات والتقاليد واللهجات، وهذا يضفي على المشهد الحياتي بعمومه قوة عظيمة ومساحة تأثير كبيرة على الشعوب المجاورة، وقبل ذلك على المنتج الإبداعي للإنسان في كل مكان في السعودية، فهذا التنوع يعد بوابة لنشأة ثقافة متجددة، متحررة من التكرار والثبات كونها تستمد وهجها من الأرض المتغيرة والإنسان الأكثر تنوعا وعمقا ومعرفة.

واختصارا للفكرة فإن التنوع الجغرافي ومع اتساع شكله ومساحته يعوض عدد السكان القليل قياسا ومقارنة ببعض الكيانات الكبرى المجاورة، فهذا التنوع يصنع فارقا على مستوى صناعة التاريخ وبناء الإنسان وحضارته.

وبما أن الإعلام هو أنجع وسائل القوة الناعمة، فإن ضرورة إنشاء قناة تلفزيونية إخبارية سعودية خالصة، لأمر تحتمه المصلحة العليا للعالمين العربي والإسلامي، والمملكة قادرة على صناعة إعلام مرئي مختلف، يسهم في تأصيل المفاهيم الإخبارية الصحيحة ليتعاطى المشتغلون في هذه القناة مع صناعة إعلامية جديدة مؤثرة تقوم على الاحترافية في صياغة الخبر وتحليله ومعرفة أبعاده وإرهاصاته، وهذه القناة لو ارتبطت بمكة اسما وتوقيتا لاستطاعت أن تعيد تشكيل الوعي عند الجماهير العربية والجموع الإسلامية بعيدا عن مفاهيم الإعلام الأجير المستورد الذي يتغير بتغير مقاصد صناعه ومموليه.

المملكة العربية السعودية قدرها أنها الأكبر والأعمق والأكثر ثروة وثراء على كل المستويات، وهذا يجعلها تشكل معظم الصورة في المنطقة إن لم تكن الصورة كلها، وهذا ما يجعل صدور الصغار والنكرات تغلي كمدا وحقدا على هذه البلاد وشعبها، وهذا يستلزم استثمار كل أشكال المقدرات والقدرات الوطنية لتأصيل الريادة السعودية من خلال مقدراتها الفكرية والاجتماعية والثقافية وجعلها المحور الأساس الذي تتمحور حوله كل الثقافات المجاورة، ولا ريب، فنحن التاريخ ومتنه والجغرافيا وعمقها.