X

هبة قاضي

> زمكان يعرب وبثينة

الخميس - 29 أغسطس 2019

Thu - 29 Aug 2019

أصبحت أحتفل احتفالا بذلك المسلسل أو تلك الرواية القادرة على إثارة مشاعري، والتأثير في أفكاري وفصلي عن عالمي فصلا تاما مقابل دمجي في عالمها دمجا تاما. والأهم ما قد يكون قويا كفاية ليستفز دموعي لتنجرف رغما عني، مفاجأة إياي قبل أي أحد آخر. فأظل قبل قراءة أو مشاهدة أي شيء أبحث في تقييماته وأسأل عن تفضيلات الآخرين وآرائهم، خوفا على نفسي ووقتي الثمين (الذي كنت غالبا سأضيعه في تصفح السوشال ميديا) من أن أهدره في كتاب أو فيلم لا يحرك فيّ شيئا، ولا يستطيع بحبكته أن يسحبني من عالمي الواقعي ليدمجني دمجا كاملا في عالمه المختلق.

لذا حين وقعت على فيديو الروائية الكويتية بثينة العيسى وهي تتكلم عن اللغة العربية، تأثرت بنسبة 40 %. وكيف لا أتأثر وأنا من الجيل الذي تعرف على العالم من خلال القصص وأفلام الكرتون وبرامج الأطفال (المحلية والعالمية) باللغة العربية. وارتبطت في داخلي وفي ذاكرتي بمعاني الحياة حلوها ومرها، جميلها وقبيحها في توازن إنساني اتسع للتجارب والمواقف بكل أنواعها.

كيف لا وأنا التي تخرجت في قسم اللغة الإنجليزية فأتقنتها، ومن ثم استخدمتها كنافذة فتحت أمام نوافذ عقلي وقلبي بالقراءة والحوار على ثقافات أخرى، وفي الوقت نفسه صبت مشاهدات كل هذه النوافذ من خلال باب لغتي العربية، لتصبح لغة العقل والقلب ولغة التعبير ولغة المحاكاة ولغة المواكبة والتحدث عن الأفكار الجديدة.

ولكن نسبة التأثر 60% الباقية التي هاجمتني بغتة وعلى حين غرة حصلت لي وأنا أشاهد «يعرب». وهو مسلسل (إنيميشن) سعودي التأليف والصنع والإنتاج، وأحد إبداعات (مالك نجر) مؤلف وصانع مسلسل (مسامير) الذي يعتبر رائد حركة الإنيميشن السعودية في جودة المحتوى والإخراج.

لا أعرف ما الذي فعله بي مسلسل يعرب سوى أنه أسرني في عالم عجيب، اختلطت فيه الأساطير والتراثيات العربية بداية من زرقاء اليمامة، مدينة إرم، السموأل، أجا وسلمى، وانتهاء بملوك عاد. مع ذاكرتي الجمعية التي تختزل بين جنباتها كرم حاتم الطائي، وأشعار امرئ القيس، ودروس لقمان الحكيم، وعظمة مملكة بلقيس. انتهيت من المسلسل في يوم واحد، واندمجت في أحداثه المتقافزة ما بين الماضي والحاضر، لأدخل معه من باب (الزمكان) إلى حيث ترقد العنقاء، ومن ثم أخرج معه إلى حيث بيتهم على أطراف مدينة الرياض، والجني الذي أخرجه من القطة ينتظر على الباب. مسلسل فريد من نوعه، اختزل كل تراثنا وأساطيرنا وطرحها في سياق شيق ومع مفاهيم أصيلة في تكويننا الإنساني، انتهى على أعتاب أن العمل الصالح والعلاقات العائلية والإنسانية هي لب الحياة وجدوى العيش فيها.

متأثرة أنا الآن

بنسبة 100% وأشعر بتضوع الأمل في داخلي، الأمل الذي تمنحني إياه تعليقات الناس ومشاركتهم لفيديو بثينة بحماس مستميت دفاعا عن اللغة العربية. الأمل الذي منحتني إياه أعداد المشاهدات على مسلسل (يعرب) الذي يتحدث مزيجا من اللهجات السعودية، فاتحا نافذة من الداخل نرى فيها اندماجنا وتعايشنا مع بعضنا، ونافذة خارجية يرانا منها العالم مجتمعات متحضرة ولديها إبداعاتها وقصصها التي تعكسها وتمثل أصالتها وعمق وجودها وتأثيرها.

الأمل الذي شعرته حين قرأت تعليق عراقي مهاجر في الدنمارك محييا فريق العمل، ومخبرا كم أعجبه وعائلته المسلسل وربطهم بأواصرهم العربية وأشعرهم بالاعتزاز والتصالح مع حمضهم النووي، ومع العالم الذي لهم فيه حق الوجود والتواجد وواجب الإنتاج والصنع. الأمل في مزيد من الحراك الإبداعي الذي يحمينا من الذوبان التام في دوامة العالم الحديث، فلا نعود ننجب مزيدا من الكائنات الحائرة التي تنظر للمرآة فترى عيونا سوداء وشعورا بنية وبشرات داكنة، وتشعر بالغربة لأنها تريد أن تمتلك عيونا زرقاء، وبشرات فاتحة أو ربما عيونا آسيوية وشعورا مسطحة.

@HebaKadi

أضف تعليقاً

Add Comment

الأكثر قراءة