طرقت باب غرفته في السكن الجامعي، فسمعت صوته من وراء الباب آذنا لي بالدخول، فوجدته أمام شاشة حاسوبه يشاهد مقطع فيديو عن الآخرة بلغة الفيزياء، وكان الدمع يقطر من عينيه، ويقول لي لقد جدد لي هذا المقطع إيماني بالله عز وجل، وأسمعني جزءا من هذه المحاضرة وكان فيه تفسير لقوله تعالى: (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) بأن أمر الله أتانا من علم الغيب بسرعة الضوء وأنه انطلق كالقذيفة، وحوله ملائكة كرام تسير مع أمر الله

إلى آخر المقطع، سألت زميلي هل فكّرت في معنى ما جاء في هذا المقطع؟ أنت مهندس متعلم ومن أرقى الجامعات في المملكة، وتحفظ القرآن الكريم كاملا، أخبرني هل تجد المعلومات الفيزيائية تنطبق حقا على هذه الآيات الكريمة؟ هل هذا هو المعنى الحقيقي الوحيد؟ حسنا ذلك الزميل لم يستجب لندائي وأخبرني بأنه لا داعي أن أرهقه بالتفكير وأفسد عليه هذه اللحظة الإيمانية
النقد في أبواب الإعجاز العلمي للقرآن والسنة بحاجة لمزيد من التمحيص والتبيين، خصوصا أن هذه الأطروحات تنتشر بين الناس دون تدقيق، ويتم التعامل مع النظريات العلمية على أنها حقائق وأمور مسلمة، ويتم الاستدلال بآيات القرآن والأحاديث النبوية الشريفة في مواضيع مخالفة للموضع الأصلي لها وتحميلها ما لا تحتمل، وأحيانا قد يكذب الباحث ويضع معلومات غير صحيحة أو غير مثبتة ويفترض صحتها من أجل غاية عظيمة وهي إثبات أن القرآن الكريم هو معجزة الإسلام الخالدة، ويتجاهلون أن القرآن الكريم الذي هو كلمة الله ليس بحاجة إلى أن تثبت صحته، وأن هذا الوجود وهذا الكون خلقه الله عز وجل الذي أنزل القرآن، وأن هنالك وحدة كبيرة لا تحتاج إلى الكذب والادعاء الخاطئ، ومسألة النقد في أبواب الإعجاز العلمي مسألة حساسة لم تبدأ حركتها إلا قريبا وما زالت جهودها بحاجة إلى مزيد من التطوير والجرأة في تصحيح تلك الأطروحات المنتشرة في المدارس والجامعات ومقاطع الانترنت وأطروحات المفكرين والفلاسفة، وهذا الوعي على الجميع أن يحمل همه وأن يتحرى صحة المعلومة التي يحملها ومدى قوتها، خصوصا في هذا الزمن الذي يسهل البحث فيه عن المعلومة وتبيان صوابها من خطئها
من المعلومات المنتشرة في الإعجاز العلمي وبقوة في تفسير قوله تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر) أن رواد الفضاء الأمريكيين حينما صعدوا إلى القمر وجدوه منشقا بالكامل من أوله لآخره، وكنت أبحث في هذه المعلومة وأريد أن أدعمها بموقع وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) ووجدت العديد من الأسئلة في هذا الموقع التي تسأل حول هذا الدليل، وتقدم أطروحات الإعجاز العلمي بالصور والآيات والتحليل وغيرها، وفي كل مرة يكون رد وكالة الفضاء الأمريكية بأن هذا لم يحدث وأنها تحث الناس على أن يأخذوا المعلومات العلمية من مصادرها الموثوقة بدلا من أخذها من إشاعات الانترنت، وبالطبع نحن كمسلمين نؤمن بأن القمر قد انشق للرسول عليه الصلاة والسلام ولكن هل هذا الانشقاق يقتضي وجود شقوق في قشرة القمر؟ وإن لم نجد هذه الشقوق بالطريقة التي نعرفها اليوم (وقد نتوصل لطرق جديدة مستقبلا) هل هذا يبرر لنا ادعاء شقوق وأخذ أكبر شق موجود في القمر وادعاء أنه كامل ويقطع القمر إلى نصفين؟ومن المجالات التي ينتشر فيها تطبيق الإعجاز العلمي وبصورة خاطئة في آيات تكوين الخلق، فكل النظريات التي تتحدث عن نشأة الكون لا يوجد شيء يثبتها، بل وتوجد نظريات أخرى تقارعها وإن لم تكن بنفس القوة، وتوجد بها نقاط ضعف، كما أن العلم في كل فترة يتوصل إلى جديد فيلغي النظريات القديمة ويأتي بجديدة تتناسب مع الأدلة الجديدة، وبعض الباحثين في حقل الإعجاز العلمي يغيرون أقوالهم مع تغير الأدلة والنظريات، وبعضهم يتسرع في الحكم حتى وإن لم تكن النظرية قد أثبتت ويبحث في القرآن عن أي آية تدعم هذه النظرية ويستشهد بها، كما فعل أحد أساتذة الجامعات في إحدى الندوات الفكرية حينما تعصب لتفسير آية قرآنية بأنها إثبات على نظرية داروين بأن الإنسان والقرد من أصل واحد، وحينما عارضه أحد الحضور صرخ قائلا (ظاهر الآية القرآنية يدعم النظرية، كفانا جهلا، وهذا قول القرآن، هل ستعارض القرآن؟!) فبدلا من أن يقدم طرحا علميا وإثباتات لزعمه كما كان يقول طوال محاضرته الفكرية، نقل الحوار بأنك تعارض القرآن إن عارضت ما أقول
تخيلوا معي قليلا أنّ أحد العاملين في الدعوة إلى الله عز وجل كان يحاور شخصا ليقنعه بالدخول في الإسلام، واستشهد بحقيقة علمية وبيّن له بأن هذه الحقيقة العلمية موجودة في القرآن والسنّة النبوية، وأن عليه أن يسرع للإسلام وإلى الله عز وجل الذي خلق كل شيء ليظفر بالجنة، وعندما بحث ذلك الشخص الذي نريده أن يدخل إلى الإسلام عن هذه المعلومة وجدها خاطئة وغير صحيحة، وأن أكبر الجهات العلمية المعتمدة في العالم تنكرها وتقدم إثباتات علمية عكسها تماما أو رأى الأقوال المتذبذبة والمتناقضة ككتب الإعجاز العلمي التي كانت تتحدث أن الشمس تدور حول الأرض، وحينما علمت أن الاكتشافات الحديثة تثبت العكس غيرت مزاعمها وأثبتتها بالقرآن أيضا، ماذا تتوقعون من هذا الشخص الذي يرغب بالدخول في الإسلام وقد فوجئ بأن هذا الدين يتم التسويق له بمعلومات خاطئة؟ متى سنعي خطورة هذا الأمر ونتوقف عن الإساءة للإسلام؟