حول الموائد الخشبية الصغيرة المحيطة بمقاهي وسط القاهرة، يتجمع المصريون من مختلف الأعمار بحثا عن إجابة للسؤال الصعب، وهو هل يمكن للثقافة المصرية أن تقهر الإرهاب الذي ضرب بأقدامه الثقيلة جنبات الشارع المصري على مدى الشهور السبعة الماضية؟بداية يربط وزير الثقافة الأسبق جابر عصفور بين القمع والإرهاب، قائلا: إن القمع قهر وإذلال وإجبار، والإرهاب تخويف وترويع وتفزيع، وكلاهما يلتقي في دلالة ممارسة العنف التي تتعدد أسبابها ويختلف الفاعلون لها، لكن لا تختلف نتائجها التي تستأصل الإمكانات الواعدة للحوار والاختلاف» معتبرا أن القمع والإرهاب لصيقان بالتعصب الذي هو أصل لهما خصوصا في المدار المغلق الذي ينقلب فيه العقل على مبدئه الحيوي فيصادر حرية غيره التي لا معنى لحريته من غيرها
ويضيف أن الإرهاب يستأصل المختلف معه فكريا بالعنف بشقيه المعنوي أو المادي، فارضا ما يراه كأنه الحق والحقيقة المطلقة، وأن العنف يحدث حين يتجمد الفكر على نفسه ويغدو نوعا من التعصب الذي لا يعرف المرونة أو التسامح، سواء على مستوى الأفراد أم الجماعات، ويظهر ذلك عمليا في خطاب يدعي الإنابة عن النص الديني بالمغالطة والإيهام، ومن ثم التحدث باسم الدين الذي لا يجوز لغير أصحاب دعوى الإنابة التحدث باسمه
ويرى رئيس اتحاد كتاب مصر محمد سلماوي أن الأنظمة العربية درجت على مواجهة الإرهاب بالأمن وحده دون أن تواجه الفكر المحرك للإرهاب، وأن الثقافة هي القادرة وحدها على تلك المواجهة لأنها تجسد الهوية الثقافية للشعوب وتحافظ عليها ضد محاولات تذويبها في هوية أخرى غيبية لا تمت للواقع بصلة، وبذلك تكون الحصن الحصين ضد الفكر الإرهابي التكفيري المنحرف
وفي هذا السياق يعتبر الحاصل على جائزة اتحاد الكتاب المصريين في الرواية لـ2013 عن رواية «شجرة العابد» عمار حسن، أن مواجهة الجماعات المتجمدة يجب ألا تقتصر فقط على الجانب الأمني، لأن تاريخ تلك الحركات يؤكد أنها معتلة فكريا ولا بد من مواجهة الاعتلال بنهضة فكرية من جانب المثقفين ردا على هذا الاعتلال، مستدلا بأن الحركات الإسلامية دائما ما تواجه السلطة وترفض الإصلاح وتصر على مواجهة الدولة بالعنف
ويشير صاحب كتاب العنف في الحركات الإسلامية مختار نوح إلى أن حركة الإرهاب واحدة والعمليات الإرهابية تنبع عن فكر واضح ولا تختلف في أسلوبها عن تلك التفجيرات التي استخدمت في الأربعينات لتفجير البنوك، مضيفا «لا ننسى كتاب حكم قتال الطائفة الممتنعة الذي صدر 1984 الذي كان يبرر التكفيريون من خلاله للقتل والعنف والإرهاب، وعندما قاموا بمراجعته هدؤوا قليلا ثم سرعان ما عادوا لتطبيق النصوص الشرعية، وهم يلوون ذراعها لاستخدامها بشكل سلبي لمعاودة القتل»
ويؤكد الفنان التشكيلي محمد الطراوي أهمية الدور الثقافي في تلك اللحظة الراهنة التي تواجه فيها مصر الإرهاب، قائلا «إن هذا يتطلب سرعة تحديث مناهج التعليم وتنقيتها من أي دروس تحض على العنف، حتى يمكننا بناء ثقافة لجيل جديد تقوم على التسامح»
ويواصل الطراوي حديثه حاثا المثقفين على النزول إلى الشارع وعقد جلسات وحلقات نقاش للتوعية بأهمية الحفاظ على مكتسبات الثورة المصرية، ووحدة الشعب والتأكيد على الهوية المصرية القائمة على إعمال العقل ونبذ العنف والتطرف، ومشيرا إلى أن ذلك لن يتأتى إلا بإدراك الجماعة الثقافية لأهمية دورها والتخلي عن ذاتيتها في مقابل المصلحة العامة لأن الشارع بحاجة ملحة لتفعيل الدور الثقافي
المثقفون المصريون يؤكدون أهمية الفكر في مواجهة العنف
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
