تمتم لنفسه وهو يزفر بقوة (الله يعدي الليلة دي على خير) وهو ينظر إلى وجوه أبنائه المكفهرة.
وراح من مكان وقفته في وسط الصالة يشاهدهم وهم يذهبون ويأتون وكأنهم كائنات (زومبي) ينتظر أحدهم الفرصة لينقض على الآخر.
حاول وضع مشاعر ضيقه هو أيضا لعودته لدوامه جانبا، ثم حمحم حنجرته وأضفى على صوته ما استطاع من اللطف مع المحافظة على الحزم، حتى لا يشعروا بضعفه فينقضوا عليه بدموعهم في دراما ملحمية من الطراز الذي يستحق جائزة الأوسكار، وقال (يالله جهزو أشياءكم بسرعة عشان تدخلو تنامو بكرة مدرسة).
ورغم أنه أعد نفسه لكل الاحتمالات إلا أن ذلك العواء الذي انطلق من ابنه ذي الأعوام العشرة كان مرعبا وهو يقول (الله ياخد المدرسة إن شالله بكرة أروح ألاقيها انحرقت)، وجد نفسه يهمس لنفسه (قديمة يا ولدي) وهو يتذكر دعاءه بنفس الدعوة ليلة المدارس بعد كل إجازة، وذلك النكد العظيم حين ذهابه اليوم الثاني للمدرسة ليجد المدرسة شامخة في مكانها وكأنها تتحداه مادة لسانها وهي تقول باستهزاء (كان غيرك أشطر).
من الطبيعي أن يشعر اليافعون بكراهية العودة للمدرسة والالتزامات والواجبات والنوم مبكرا والاستيقاظ من فجر الله لأن ذلك في النهاية يقع في دائرة الروتين والالتزام الذي يعتبر العدو الأول لحب المرح والانطلاق المجبولة عليه طبيعتهم في هذا العمر.
وقد تحاول أن تكون منطقيا معهم من حيث إن التعليم نعمة وإن غيرهم من الأطفال في أماكن الحروب محرومون منها، وغير ذلك من المنطقيات، إلا أن غضاضة نضجهم ستمنع تأثيرها على مشاعرهم.
وحبذا لو أن المدارس حرصت في اليوم الأول بعد كل إجازة على أن تخصص أول يوم لنشاط مرح وحر ومثير للاهتمام لمن في عمرهم، مثل استضافة شخصية معروفة، أو نشاط رياضي، أو حفل مسل، يجعلهم يتطلعون للحضور ويكسر رهاب اليوم الأول.
لكن إذا كان سبب كره اليافعين لليوم الأول من المدرسة له علاقة بعدم النضوج وغضاضة أعمارهم، فما السبب في كره الراشدين للعودة لأعمالهم بعد الإجازة وهم من المفترض أنهم في قمة النضج؟ لندرك هنا أن ثقافتنا السائدة والتي ما زال أولادنا ينشؤون عليها هي أن المتعة في عدم العمل، في حين أن بعضا من المجتمعات الرائدة تمارس حياتها بثقافة المتعة في العمل.
فنحن خلقنا لنعمل، خلقنا لنعمر، خلقنا لننجز، وأما الإجازات والأوقات المستقطعة فما هي إلا استراحة المحارب التي تجعلنا نعود أكثر عطاء وشوقا للشعور بقيمة وجودنا.
فمتى ما أصبحت المدارس مكانا يشعر فيه أولادنا بقيمتهم الإنسانية ثم الفكرية، ومتى ما أصبحت أعمالنا هي تسخيرنا الذي يتناسب مع طبيعتنا وقناعاتنا، عندها ستتحقق الأعجوبة ونتحمس للعودة بعد الإجازة.