وأنا أهم بكتابة المقال الأول بعد الإجازة القصيرة تذكرت كلاماً قلته في مناسبة مشابهة يتعلق بأسطورة من أساطير الأولين عنوانها «كرّ خضير»، والكرّ في لغة قوم ما هو البئر الصغيرة، وخضير اسم مخلوق بشري!ويقال إن خضيرا هذا كان «عبداً» عند عبيد آخرين خدمتهم الظروف لدرجة جعلتهم يؤمنون أنهم أفضل منه وأن حالهم أفضل من حاله، وكان لهؤلاء القوم مزرعة يتوسطها الكرّ السالف الذكر.
كانوا في كل سنة يزرعون ويحصدون ويجمعون المحصول، وكانت هذه مهمة خضير مع ما تيسر من ثيران.
وفي لحظة تجل قرر خضير أن يسأل سؤالاً وجودياً بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن زملائه الثيران.
سأل خضير: ما العمل الذي سنفعله هذا العام؟قالوا: ستحرث وتزرع ثم تحصد وتجمع المحصول.
قال: وفي العام القادم؟قالوا: ستحرث وتزرع ثم تحصد وتجمع المحصول.
قال: وفي الذي يليه؟قالوا: ستحرث وتزرع ثم تحصد وتجمع المحصول.
لم يكرر السؤال، وقرر أن يكتفي بما جمعة من نسخ السنين واتجه إلى البئر منهياً حياته بعد أن تأكد أنه لا أمل في الحصول على نسخة مختلفة من الأيام في عمره المتبقي!كان خضير محظوظا لأن اسمه أطلق على البئر التي انتحر فيها، وهو شرف لم ينله أي من الثيران زملاء الراحل الذين ماتوا بعده دون أن تطلق أسماؤهم على أي شيء، وربما لأن تشابه الأيام لا يشكل معضلة كبيرة لدى الثيران!أذكر أني حين رويت هذه القصة لأول مرة قلت إني أحتاج إلى القدرة على اتخاذ القرار كما فعل.
لأني كل يوم حين تشرق الشمس آخذ نسختي من يوم جديد، لأكتشف أنها مكررة، أتصفح هذا اليوم إلى آخر قطرة من نوره باحثاً عن سطر جديد، ثم يأتي المساء لأكتشف أني كنت أقرأ «أمس»!