هل نعتبر فساد من يختلس دباسة من عمله، مثل فساد من يمتص الملايين من مناقصات الدولة، ومن خلال منصبه الحكومي؟.
الأمر في السابق كان عندي مبدأ واحدا، فالدباسة مثل الملايين المختلسة من قيمة المناقصات الحكومية، وطالما أن النفس ضعيفة قابلة للسرقة، فإنها هي نفسها من يحرك يد وعقل المختلس، ليتحايل ويكذب ليسرق الدباسة؛ ولو حصل لسارق الدباسة مجال ومسؤولية وسلطة أكبر لما عاد يفرق بين أعداد أسنان مساميرها، وبين أصفار تسلسل الملايين في حسابه الخاص.
لا أريد أن أتفلسف، ولكني أعلم أن مجرد تصنيف الفساد، يعتبر نوعا متقدما من الفساد بذاته؛ فساد يستخدمه البعض لتهوين الذنب وتمييعه حسب القيمة، والأهمية.
والداعي لكلماتي هذه، أن بلدنا هذه الأيام يعاني من أزمات طارئة تستدعي أن نفتح أعيننا وأن نستخدم التصنيف المنطقي في الفساد.
بلدنا يمر هذه الأيام بظروف سياسية داخلية وخارجية، مساعدة الحكومة الشرعية لليمن في فرض هيمنتها على كامل تراب أرضها، ويمر أيضا بتحديات إيرانية خبيثة تنتهز وتختلق وتمكر.
وبلدنا يدخل حربا عنيفة أخرى مع الإرهاب الداعشي، ويكتشف عن الخلية تلو الأخرى.
وبلدنا يرعى عددا من الدول الصديقة، بناء على التزامات دولية لا يريد أن يخل بها.
وبلدنا يمر بكساد اقتصادي إثر تدني أسعار البترول، وهو منتوجنا الأكبر والأهم.
هنا أعود إلى تصنيف الفساد، فهل فساد أيام الرخاء والسلام، مثل فساد يتم أثناء الحروب، وأثناء تكالب الدنيا على كل معاني الوطن والوطنية؟.
حقيقة أنه يجب علينا إعادة النظر في رتب وتصنيف الفساد، فلا نعود نعتبره نوعا واحدة ولا تصنيفا ودرجة واحدة، كما كان الفكر الجمعي يصنفه بنزاهة.
لا بد في الوقت الراهن من تحديد معايير جديدة للفساد، تتناسب مع حالة البلد، ومن يفسد اليوم لا يكون فاسدا وكفى، ولكنه يصبح عدوا للبلد بكل المعاني، ومهما كانت رتبته، أو سلطته.
من يسرق دباسة في الماضي، ليس كمن يسرق دباسة في يومنا هذا، لأن التصنيف هنا يكون مضاعفا، بل مغلظا ملايين المرات، كون فاسد هذه الأيام يعتبر منتهزا للفرص، داعسا على أشرف القيم، ومستغنيا عن وطنه، لدرجة نشك معها بأنه عند اكتشاف الفساد يمتلك بلدا بديلا له ولأبنائه.
الفاسد اليوم يعلم أنه ليس مفسدا فقط، بل إنه عدو يدق مسامير الموت في نعش وطننا المحموم.
التصنيف للمختلس هنا يجب أن يختلف ويكون متوازيا مع تعاظم عقوبة الخيانة للوطن.
كل موظف مسؤول عن دباسة ويسرقها، هو في أعيننا نحن المواطنين مستحق للقتل تعزيرا في وقتنا هذا.
وكل مسؤول كبير يدخل في القسمة بينه وبين شركات تنفيذ المشاريع الحكومية والصفقات يقع في تصنيف فاسد خائن بكل المضاعفات، ويستحق أن يتم محاكمته على رؤوس الأشهاد، وليس على الفساد فقط، ولكن على الخيانة الوطنية، وعلى المشاركة في هدم البلد على رؤوس الصالحين الأمناء الشرفاء، من يتفانون وبلدهم في حال حرب وأزمة.
دباسة الفساد والخيانة
شاهر النهاري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
