هكذا سألت نفسي ساعة قرأت طرفا من سيرة الشاعر المصري صلاح عبدالصبور «على مشارف الخمسين»، وذلك أن قدرا صالحا من تلك السيرة قصره عبدالصبور على صلاته الروحية بالشعراء العرب الذين اتفق له أن يقبل على شعرهم في فجر شبابه.

عرف عبدالصبور في ذلك العهد محمود حسن إسماعيل وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي، أحب شعر الأول، واتخذ الشاعر صديقه، وأقبل على الثاني ثم ما لبث أن أعرض عنه، أما الثالث فقد هام بشعره، واتصلت أسبابه به حتى وافته منيته، وظل لهجا به عمره كله.
قال عبدالصبور: إن علي محمود طه الذي كان نجما في حقبة ما، ولكن عناية الشعراء والقراء به ضمرت بعد ذلك بزمن يسير، وقرأت لديه، كذلك، كلاما مهمّا عن الشاعر خليل مطران، وعند عبدالصبور أن شاعر القطرين كان لا شك شاعرا كبيرا، ولكن عظمته إنما تكمن في أنه شق لتلاميذه والمنتمين إلى مذهبه في الشعر الطريق، وبالأخص أحمد زكي أبو شادي وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي، وأن حديث هذا الأخير وإكباره لأستاذه، هو الذي أغرى عبدالصبور بأن ينفق في قراءة ديوانه ذي الأجزاء الأربعة بضع ليال، بيد أن الآصرة بينه وبين شعره كانت واهية، بل إنه ندم على أن أضاع وقته في قراءة شعره!والحق أن ما قاله صلاح عبدالصبور يصدق في خليل مطران وفي شعراء وأدباء آخرين، فكم احتفى تاريخ الأدب بأعلام كبار في الشعر، ثم انتهى بهم الأمر بأن أصبحوا جزءا من تراث الشعر، ولا يعدو الاهتمام بهم، منذ زمن بعيد، دائرة الدرس والتحقيق والتوثيق، وربما صح أن نعتدَّ شعرهم ضعيف الأثر أو منبتَّه في أجيال من الشعراء، وواهي الأثر في ألوف من القراء، هم إن قرأوا طرفا من أشعارهم، فللمعرفة، ويظهرون على دواوينهم مرة، وأغلب الظن أنهم لا يعودون إليها بعد ذلك.
ولصلاح عبدالصبور تعليل لطيف، يخفف حكمه القاسي على شاعر كبير مثل خليل مطران، يقول «وربما رددتُ ذلك بأنني قد أتيتُ مطران على الهرم بينما أتاه أحباؤه الكثر في شبيبته، فلو كان الله قد أذن لي أن أخلق قبل خلقي بعشرين أو ثلاثين عاما لفتنتُ بمطران كفتنة ناجي وكثير من أبناء جيله به، ولكنني حين قرأته في أوائل الخمسينات عرفت أن مؤرخ الأدب سيقدره قدره، بينما سيظل ناشئ الشعر مثلي مؤثرا لتلاميذه عليه».
وليس غاية هذه المقالة أن تقف عند خليل مطران دون سواه من الشعراء، وإنما الغاية أن تلمح إلى مشكلة الخلود الأدبي، فما السبب الذي يجعل شاعرا يخلد شعره، ويذيع في عامة الناس وخاصتهم، ويسكت عن شاعر - أو شعراء آخرين - كان في عصره عريض الصوت، كبيرا، عظيما، حتى ليصح القول: إن خلود الأدب هو مشكلة يصعب القطع فيها بقول واحد في نظرية الأدب والنقد.