الثابت بأن الله خلق الإنسان وخاطبَه بصيغ مختلفة ومنها خطابه للنفس (يا أيتها النَّفْس المطمئنة) وتكلّم عن النفس وقال (ونفسٍ وما سَوَّاهَا) ووصف النفس وقال (ولا أقسم بالنفس اللوّامة) وغير ذلك متنوّع ووارد في كتاب الله مما يثبُت به بأن نفس الإنسان ذات ارتباط متين بالتكليف والتطبّع الديني والتربية الربانية وحيث ذلك ثابت فإن الثابت أيضاً بأن للنفس أصلاً هو ما خلق الله عليه جميع النفوس من فطرة أصلية مستقلة ذات مواصفات صالحة لأي اتجاه حين يعتريها ما تتعرض له من تقلبات وتغيرات الزمن والأحداث والتجارب والمواقف، ليثبت لنا بأن الحفاظ على النفوس واجب بالأمر الإلهي، والمعنيُّ بذلك تلك النفوس بالمعنى الوجداني لكي تبقى سليمة مستقيمة كما هو الغرض للنفس بالمعنى الجسدي حيث ربي قال (ولا تقتلوا أنفسكم) وقتل النفس روحاً بتعريضها لما ليس في مصلحتها انحرافٌ بذاتها عن الحياة السائغة للبشر، وثابتٌ للجميع بأن النفوس الصحيّة وإن لم تكن ذات دين ولا تديّن غالباً لا يصدر من أصحابها ما يعكّر صفو المجتمع ولا ما يهضم حقوق الناس لكن النفوس المريضة أصلاً أو تبعاً هي محطّ كل سوء متوقع في هذا العالم بل هي أساس كل ظلم وقد قال ربنا (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسُهم ظلماً وعلوّا) .
والمتغيّر مشاهدٌ لكل صاحب نظر وتفطّن في قرارة نفسه وفي نفوس من يتعامل معهم ومن يراهم أو يراقبهم والله قال (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) .
وما الإبصار في زمن مضى كما الإبصار في زمن توافرت فيه من فتوحات رب العالمين المادية والملموسة ما الله به عليم، الأمر الذي يجعل التفاتَ المجتمعات المسلمة لصلاح النفوس وإصلاحها من منطلق عناية بالإنسان هو مادة الدين والتدين وتكاليف الشرع الحكيم، فكيف بنفس ترى وتشاهد من تناقضات الأمور والأحداث ما يحتار فيه العقل أن تظل مستقيمة التوجّه لربها مع مشغلات الفكر المتعكر بكل عراكٍ وحراك هنا وهناك، وفي غفلة من ذوي الشأن عن نفوس العالمين في كل مجتمع، حتى بدت الأمور عند تمحيصها وإعادتها لأسبابها الحقيقية راجعة لمرض نفسيات لا لقناعات فكر أو فلسفة أو ثقافة، فكيف لا يتغير الحال مع تغير كل شيء ويلتفت المعنيون بالدِّين نحو ما تستقيم به النفس عناية رحمة ورعاية كرامة وتهذيب احتضان وحب وسلام بجلب اطمئنان قلب هو لبّ النفس التي ترقى لخطاب الله تعالى لها فتسمع نداءه حين يقول لها (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية).
واليوم نرى من نفسيات كثير فينا وحولنا ومعنا ما يُلهب التضجر النفسي ويملأ الوجدان فلا تجد العبادة والتكاليف الشرعية مساحة عند شباب وشابات وغيرهم إلا في عنت سلوك ومشقة ارتكاب ليسوغ الانزلاق نحو التطرّف قسرا.
النّفسيّات في الدّين .. ما بين ثابت ومتغيّر
محمد أحمد بابا2 دقائق للقراءة

حجم الخط
