نعيش ـ ولله الحمد والمنة ـ في هذا الوطن الكريم في خير عميم ونعمة عظيمة؛ حيث يتوفر للإنسان كل ما يتمناه من أكل وشرب وملبس ومركب، وهي نعم وخدمات وإمكانات تحولت بفعل الزمن والتوفر الدائم لتشكل عند أغلب الناس أحد المكونات الطبيعية والتقليدية لحياة الإنسان في المملكة العربية السعودية.
وحتى لا أكون مبالغا، فإنني أجزم أن معظم من هم في الأربعينات من العمر فما دون ينطلقون من هذا المنطلق، ويغيب عن أكثرهم كيف تحولت الحياة، وتوفرت الخدمات والإمكانات بشكل كبير جدا وصل حد الرفاهية الزائدة عن حدها بعد مرحلة صعبة عاشها الآباء والأجداد.
هذه الخدمات والإمكانات والنعم المتوفرة التي أكرمنا الله بها في هذه الأرض بعد أن وصل الحال ببعض أجدادنا إلى أن أكلوا أوراق الأشجار، وربما حرم بعضهم من الأكل والشرب أياما، فيما كان البعض يعمل مقابل أن يأكل ويشرب فحسب، والبعض يموت جوعا أو عطشا، ويتغرب عن أهله مقابل أجر بخس لا يكاد يذكر، ولا يكاد يجد من الملابس ما يستره، هي نعم وخدمات وإمكانات يجب تقديرها وبث الوعي والإحساس بقيمتها وأهميتها، وأن ديمومتها لن تكون إلا بشكر الله عز وجل، وعدم الإسراف فيها، وأداء حقوقها.
ومما طالعته حديثا في هذا السياق وهو أمر يدعو إلى الألم ما نقلته صحيفة الوطن في عدد يوم الخميس الماضي حول أن الهدر الغذائي في المملكة يبلغ 34 % في مرحلة الاستهلاك، ومعنى ذلك أن ثلث الأطعمة لا تتم الاستفادة منه، ويعد زائدا عن الحاجة، وأن مصيره إلى الإتلاف، وهو ما دعا خبيرا اقتصاديا إلى الدعوة إلى تكثيف التوعية بأهمية الغذاء وإدراج المفاهيم المتعلقة بذلك في المناهج التعليمية.
وأجزم أن ثقافة الاستهلاك وقيمه سواء أكان ذلك في الغذاء أم في غيره تنطلق من المنزل، وللأسف ليس هناك اهتمام عند أغلب الناس بذلك؛ إذ إن توفر المال والأشياء جعل من حق الطفل أو الشاب أن يطلب كل شيء، وأن يحصل على كل ما يطلب، ودون تردد في أغلب الأحيان، في حين انساق الكبار رجالا ونساء مع الثقافة المجتمعية العامة التي تشكلت لدينا وجعلت الإنسان يأخذ ويقدم وبشكل مستمر أضعاف ما يحتاج من الأكل والشرب واللبس، والمشكلة الأخرى أن ما يتم الاستغناء عنه بعد استعماله ربما لا يجد طريقه الصحيح إلى المستحقين والجمعيات الخيرية والجهات التي لها دور في ذلك.
نحن في أمس الحاجة إلى تكريس المفاهيم الإيجابية للاستهلاك بمختلف أنواعه، وفي أمس الحاجة إلى أن تنشط الجمعيات الخيرية وجمعيات حفظ النعمة لتقوم بدور فاعل في مجال حفظ النعمة التي من الله بها علينا في هذه البلاد.