يسيء بعض الحجاج إلى أنفسهم وإلى حجاج بيت الله غير المدخنين وإلى قدسية المكان والزمان بإصرارهم على التدخين وإيذاء الآخرين، وقد حرمت الشريعة الإضرار.
وإنك لتعجب من حاج بذل ماله وجهده وتحمل المتاعب وكابد المشقة طاعة لله ينتهي به المطاف بمعصية مركبة فيها تضييع مال وإضرار بصحة وإيذاء للآخرين وعدم احترام لقدسية المكان والزمان وقد نص العلماء رحمهم الله سلفا وخلفا على وجوب حفظ النفس والمال والدين وكلها من مقاصد الشرع التي ضيعها هذا الحاج المدخن الذي نسي مخاطر التدخين وتجاهل أضرار التدخين السلبي الذي أثبتت الدراسات الحديثة أنه يتسبب في قتل كثير من الأبرياء من غير المدخنين ونسي المدخن قوله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم) وقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) والإضرار بالناس من أكبر الكبائر كما ورد في الحديث الشريف.
ومحاولة لتقريب حجم الإثم الذي يكتسبه الحاج بسبب استنشاق إخوته لدخانه نورد بعض الأرقام عن التدخين السلبي: بينت إحصائيات لمنظمة الصحة العالية أن أكثر من 5 ملايين شخص يموتون سنويا بسبب التدخين، 81 منهم يموتون بسبب التدخين السلبي، وهو العدد الذي يفوق الوفيات الناتجة عن أمراض خطيرة مثل الإيدز والملاريا والسل.
- يتسبب التدخين السلبي في وفاة 600 ألف إنسان حول العالم.
- 17% من إصابات سرطان الرئة سببها التدخين السلبي.
- 40% من المتوفين بسبب التدخين السلبي من الأطفال الرضع.
فهل يرضى حاج بيت الله الذي ترك الأهل والمال والوطن ابتغاء غفران ذنبه ورضا ربه أن يفسد حجه أو على الأقل يلوثه أو ينقص أجره بسبب إيذاء الحجاج الذين قد يتسبب في وفاتهم بإرغامهم على استنشاق هذه المادة الخبيثة؟ (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا).
اقتراحات:- اغتنام الحجاج فرصة هذه الشعيرة العظيمة للإقلاع نهائيا عن التدخين ليكسب بذلك الأجر مضاعفا حجا مع ترك إثم.
- وإن عجز عن الإقلاع عن التدخين فيتوقف عنه فترة أداء المناسك.
- وإن عجز عن ذلك فلا يدخن إلا في أماكن محددة وبعيدا عن إيذاء الآخرين لما أشرنا إليه من أضرار التدخين السلبي مع مراعاة عدم التسبب في الحرائق وعدم رمي أعقاب السجائر في الطرقات والمشاعر والأولى أن يحتفظ بأعقاب السجائر في محفظته احتراما وتقديرا للأماكن المقدسة، وبذلك يخفف عبئا ثقيلا عن عمال النظافة ويحافظ على نظافة المكان ويبعد الروائح الكريهة عن حجاج بيت الله.
- التفكير في فرض عقوبات بعد بذل التوعية المطلوبة على المدخنين الذين يؤذون الحجاج ويلوثون بيئة الأماكن المقدسة.
نريد حجا مبنيا على مقاصد الشارع التي تدعو بل توجب حفظ النفس والمال والدين، نريد حجا حضاريا يبرز الصورة المشرقة لديننا الحنيف الذي جاء لإكرام الإنسان ورفع الحرج ودفع الأذى ومنع الإضرار، فالحج الموجب للمغفرة وتكفير الذنوب إنما هو الحج الذي لا رفث فيه ولا فسوق، وإذا لم يكن شرب الدخان والتدافع المؤدي لإيذاء الآخرين من الفسوق فليس قطعا من البر ولا من الطاعات.
نريد حجا لا يفرق فيه المرء بين بدايته ونهايته بسبب دقة التنظيم وسلوك الحجاج، نريد حجا يمر فيه المرء على المشاعر بعد انقضاء الوقوف بعرفة ورمي الجمرات والمبيت في منى فلا يرى الإنسان فرقا بين حال هذه الأماكن قبل الموسم ولا بعده بسبب رقي سلوك الحجاج وتحضرهم.
أما أن تكون المشاعر بعد مرور الحجاج كأنها منطقة مخلفات وكأن الجميع تواصوا على تلويثها فليس ذلك من البر، وليست تلك سنة نبينا وحبيبنا محمد عليه الصلاة والسلام.
لماذا لا نجعل المدينة المنورة ومكة المكرمة والمشاعر مناطق بلا تدخين سلبي مثلما هو الحال في 22 مدينة في العالم والأمثل أن نجعلها بلا تدخين..الحج عبادة وسلوك وقيم وحضارة فلنجعله كذلك قولا وفعلا.