يعد المخرج الإيراني أصغر فرهادي «1972» واحدا من المخرجين السينمائيين البارزين على مستوى العالم، إذ حققت أفلامه شهرة واسعة، ونالت جوائز عدة ولا سيما فيلمه قبل الأخير «انفصال نادر وسيمين» الذي حصد 30 جائزة من مهرجانات متعددة منها جائزة الأوسكار لأحسن فيلم غير ناطق بالإنجليزية لـ2012، بجانب جائزة الدب الذهبى لأحسن فيلم في مهرجان برلين السينمائي الدولي
ومن أبرز أعماله، كذلك، فيلم «الرقص مع الغبار»، و»المدينة الجميلة» و»الأربعاء الأخير»، وفيلم «عن إيلى»، وكل هذه الأفلام حظيت بتقدير نقاد السينما، وعرضت في أهم المهرجانات السينمائية ونالت جوائز
وفي فيلمه الأخير «الماضي» الذي أنتج في 2013 يعود فرهادي إلى مواضيعه المفضلة التي تتعلق بالعلاقات الاجتماعية والأزمات التي تحيط بها والمشاعر المضطربة التي تهدد كيان الأسرة والعائلة، ففي هذا الفيلم، الذي رشح لجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي، سنصغي إلى حكاية شاب إيراني «يلعب دوره علي مصطفى» يعود إلى باريس، بعد أربع سنوات من الغياب، كي يكمل إجراءات الطلاق من زوجته الفرنسية «تؤدي دورها الممثلة الفرنسية بيرينيس بيجو»، لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فخلال إتمام إجراءات الطلاق تظهر مواقف وذكريات ونقاشات عميقة وسجالات تشرح طبيعة العلاقات الاجتماعية، وتلك الروح الشرقية القلقة التي لا تنسجم تماما مع القيم الغربية
تدور أحداث الفيلم في العاصمة الفرنسية، وهو ناطق بالفرنسية على عكس أفلام فرهادي السابقة، ويسعى إلى رصد تلك العلاقة الشائكة التي ربطت بين شاب إيراني وامرأة فرنسية، وعندما يحين موعد الطلاق، تزدحم الأسئلة والذكريات ووقائع الماضي لتخيم على الأجواء، وتقود الأحداث نحو مسارات غير متوقعة، ونحو فضاءات تظهر العواطف الكامنة التي لم تستطع السنوات محوها
خيوط درامية عدة تتشابك لتكشف للمتلقي ثراء اللغة السينمائية لفرهادي، وقدرته على السرد السلس والمتقن، عبر إيقاعات تتصاعد وتهبط وفقا لطبيعة المواقف، ولا يكتفي المخرج بإظهار الملامح الخارجية للشخصية، وإنما يحاول الغوص إلى دواخل الشخصيات راصدا المكابدات والخيبات ولوعة الماضي البعيد والحنين الذي انطبع كوشم في القلوب المحطمة
من مشهد إلى آخر سنمضي مع فرهادي وهو يروي قصصه التي تتكشف عن بنية درامية متماسكة، فعلى الرغم من الشعور بالنفور في البداية من الشخصيات، لكنك سرعان ما تعود لتتعاطف معها وهي تداري خيبات لا تنتهي، خصوصا أن فرهادي لا يترك تفصيلا صغيرا في فيلمه إلا ويهتم به بدءا من الإضاءة والموسيقى التصويرية مرورا بالحوار وصولا إلى إدارة الممثلين.. كل ذلك يأتي على نحو متناغم ومنسجم عبر شريط سينمائي يستحق الثناء
الماضي لأصغر فرهادي.. فيلم الذكريات التي تستقر في النفس
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
