ثلاثة أشهر بالتمام والكمال تفصلنا عن نهاية العام المالي الحالي، وسيظهر الأثر الفعلي لتراجع أسعار النفط الخام على ميزانيات دول الخليج من ناحيتين الأولى: تتعلق بارتفاع حجم العجوزات المالية في ميزانيات العام الحالي، بما قد يتجاوز مستوى التوقعات، والأخرى: تتعلق بتخفيض الإنفاق العام في موازنة العام المقبل، وهو ما ألمحت له هذه الدول، وهو إجراء متوقع، وتكرر في سنوات سابقة أكثر من مرة، لأن حجم ومقدار الإنفاق العام يعتمد على حجم العائدات المتوقعة من النفط الخام.
كما أن التوقعات المستقبلية لأسعار النفط الخام التي قام بها 22 بنكا عالميا انحصرت بين 54 و70 دولارا خلال السنوات القادمة، وهو مستوى مقبول إلى حد ما، لكنه لا يتناسب إطلاقا مع مستويات الإنفاق المرتفعة والأموال التي تضخها دول الخليج لتعزير بنيتها التحتية، ولم يعد النفط وحده كافيا للوفاء بمتطلبات الإنفاق في السنوات القادمة، والبدائل المتاحة أمام الدول الخليج بما فيها السعودية متعددة ومنطقية، ويمكن أن تصنع الفارق في اقتصاد المستقبل بعيدا عن عائدات النفط.
أحد الخيارات المستقبلية التحول للصناعة التحويلية، لما لها من دور كبير في خلق نشاطات اقتصادية ذات قيمة مضافة، وتحقيق معدلات نمو متسارعة وكبيرة، مما يشكل دعامة اقتصادية قوية لمواجهة تقلبات أسعار النفط من ناحية، وتقليل فاتورة الاستيراد، وزيادة حجم الصادرات وقيمتها.
التحول للصناعات التحويلية، من وجهة نظري، يمكن اعتباره أفضل الخيارات المتاحة لأسباب عدة منها: وجود إرادة سياسية عليا لتقليل الاعتماد على النفط، وتنويع الاقتصاد، توفر المواد الأولية والطاقة والمياه، وكلاهما يحظيان بدعم حكومي كبير، توفر رأس المال والسيولة النقدية، ويمكن توفيرهما من خلال الصناديق الحكومية (صندوق التنمية الصناعي، صندوق الاستثمارات العامة، …..)، أو الاقتراض من البنوك التجارية، الإشراف والدعم الحكومي، والمواقع والمدن الصناعية ولهيئة المدن الصناعية حاليا دور كبير في تطويرها، حيث بلغت مساحتها في نهاية 2013 نحو 163 مليون متر مربع مكتملة الخدمات من البنى التحتية الأساسية والخدمات المساندة.
الصناعات التحويلية تأتي مرحلة لاحقة ومكملة للصناعة الاستخراجية، فالصناعة الاستخراجية تعتمد بشكل أساسي على استخراج المواد الأولية والمعادن والثروات الطبيعية من الأرض، في حين أن الصناعة التحويلية تعمل على استغلال هذه المواد المستخرجة من الأرض، واستخدامها في مجالات صناعية متعددة سواء كانت كيميائية أو فيزيائية أو هندسية لإنتاج منتجات جديدة.
وتتم بطريقتين، إما أن تكون المواد الأولية والمعادن والثروات الطبيعة متوفرة في البلد المُصنع، أو يتم استيرادها من دول أخرى تتوفر فيها هذه المواد بشكل تجاري، والطريقة الأولى تنطبق على السعودية بشكل كبير، فالسعودية بلغت مرحلة متقدمة في استخراج المواد الأولية ووفرتها، لكن كثيرا من هذه المواد يتم تصديرها كمواد خام لاستخدامها في صناعات تحويلية تعود إليها مرة أخرى على شكل سلع نهائية مستوردة.
توفر الموارد الأولية والمعادن والثروات الطبيعية في المملكة سيمنحها ميزة سعرية تفضيلية في الصناعات التحويلية، وسيجنبها كلفة الاستيراد، وما يرتبط بها من رسوم شحن، وتأمين، وتخليص جمركي، وضرائب وغيرها، كما أنه قد يشكل عنصر جذب للاستثمارات الأجنبية التي يمكن الاستفادة منها في تعزيز وتنمية هذه الصناعات، والعمل مع الشركات العالمية لتطوير القطاع الصناعي، والاستفادة من المزايا النسبية التي يخلقها، لا سيما أن هناك فرصا صناعية تحويلية عديدة قيد الدراسة أو في مراحل متقدمة وفقا لما ذكره محافظ هيئة الاستثمار المهندس عبداللطيف العثمان؛ تشمل صناعة السيارات والقطع المتعلقة بها، كالصناعات الكيميائية المتقدمة المخصصة للاستخدامات الصناعية، صناعة الأصباغ، الصناعات الدوائية والحيوية، «الكفرات» والمطاط الصناعي، صناعات مواد قائمة على مادة السيليكون كالخلايا الشمسية ومواد البناء وصناعة ألياف البولي استر، يمكن أن تسهم بشكل كبير في قيادة التغيير الهيكلي في اقتصاد المملكة، ولعب دور أكبر في حجم النمو الاقتصادي، وتوفير مزيد من فرص العمل وزيادة إنتاجية مشاركة القوى العاملة الوطنية في العجلة الاقتصادي.
خلاصة القول إن قطاع الصناعات التحويلية هو البوابة الرئيسة لاقتصاد متنوع، يعتمد على تصدير سلع تصنع محليا، وصناعات ذات قيمة مضافة تحمي الاقتصاد بمواجهة تقلبات أسعار النفط من ناحية، وتقلل فاتورة الاستيراد.
مستقبل الصناعات التحويلية
محمد العوفي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
