ستقلع رحلتنا قبل الأمس السحيق، وربما بعد قرونٍ، فعلى كل من لا يزال على قيد الموت إبراز مقبض مهده الصغير، والتأكد من أن لفافة كفنه معلقة بالخطاف المجنح.
رحلتنا اكتملت فقاعة، يلتمع صابونها، بألوان الطيف، وتنطوي سخافات سنواتها الضوئية، وتنتصر قفزات سلحفاتها المتقاعسة على إصرار الأرنب المتحجر.
بللوا بواطن أقدامكم الحافية بلظى لهب الرحيل، وجففوها بسلسبيل الحنين المر، فعنفواننا لا يحتمل حميمية العفن الأخضر.
سيتم تقليم أظافر طموحكم، وتلوين خدودكم بدرجات لون الصفار المرتعش، وستطفأ جذوات أعينكم، وتطوى في ترحال حقائبكم محطات أعماركم بقطاراتها، وقضبان الخوف، وسلالم النجاة، وبكاء طفل مستوحش.
وأثناء مسارنا اللولبي سنتجرع لكم دمعة زئبقية تذرفونها حسرة، بأعين تطل عتمتها على كل منعرج حَميم.
سنكرمكم بقَصْعَةٍ من العواطف اللزجة، وزفير الخضوع، وحوار مع الذات بلا عنصرية.
الهَدَاهد لن تلهيكم بأخبارها، ولن تلتصقوا بصخور الجرانيت، ففي مقدمة المركبة أرواح حبيبة هائمة وجدت هنا لتذبح أعناق معنوياتكم، وترقص فوق ضباب تفرقكم، وحتى وإن داعبتكم بخضة هوائية أليمة، فلا تزحفوا من خنادقكم، لأن سيقانكم متعمقة في باطن الثرى، مثل أشجار الزينة.
وفي مؤخرة المقدمة ركن للبكاء المجاني، فلا تترددوا في سؤالنا عن مدى حرقته، والتمتع بأخشن المناديل.
الرحلة منكم وعليكم، وخدمتكم ليست غاية هدفنا، فلا تحلموا بالمستحيل، أبواب الطوارئ مشرعة أمامكم، والطيور تسابق خفقات أجنحتكم، وأشواك القنافذ تستوطن أضلاعكم.
ودعوا كينونة أنفاسكم، فغدا تشتاقكم شقوق حجارة الكهوف، وستمسح عن جباهها الناتئة خرابيشكم الغبية.
سمروا رموش أعينكم على إطارات النوافذ، كل نافذة حكواتي، يزيد غموض تاريخكم، من حروب ومجاعات حملت سلاحها في وجه الخوف، وجهل أبدع في حياكة ملابسكم، ورؤوسكم المنتفخة بالزيف، وأمراض تبتر ذراع الحب، الأكتع.
لا تقرعوا زلف البهجة، فمساركم معتم بشدة أضوائه، وتردي بهرجته، وهبوطنا اضطراري بمظلة متهتكة، وحظ معوج القوس مسموم الريشة.
جربوا أن ترتقوا للدرك الأسفل من الأعلى، وتستمروا في التلاشي إلى نقطة الابتداء الأخيرة.
اجمعوا كلماتكم المبعثرة بين المربعات الغبية، وانغمسوا في دهون مَرَقة مركز الأرض، حيث ستشترون السعادة، وتحلمون بشوي مناوئيكم، بنسائم الحرية، ورطوبة الأصالة، ومنطق تعانق الأغصان مع مسارات الكواكب.
ستتساقط الأبراج وتختلط عين الثريا بالرماد، فتزداد حمرتها وتتفجر سحرا أسود، وتشتهون البعد، وتقتربون من خطوط التماس وبسهولة، ستلتقطون التفاح من فوق أحفورة الجذع.
أيقونات المستقبل في أوداجكم، وتكظمون الغيظ، وفي النهاية تنعشون أقنعة الأوكسجين الساقطة إليكم، من جوف أقفاصكم الصدرية المحملة ببذور القثاء والثوم.
حدودكم ضيقة، بعصير الأفق، وراقصة بلوعة المحيط.
حنينكم يقرع خيبة الأجراس بصمت الضجيج.
عقولكم تعجز عن التسامي إلى قمقم العفاريت.
أوهامكم تنخر فقرات أعناقكم المبعثرة.
إرادتكم يشتريها المنادي على حراج الزمن.
دليلكم تنقصه الخبرة، والخوف ينحت في تلافيف أمخاخكم صروح سراديب الوهم.
معانيكم الواضحة، تتعسر على لغة القواميس، وتنقش على حافر طموحكم شعار شمس لم تشرق.
رحلتنا أزفت على الوصول، والظلام يتبجح، وكسرة الخبز تقتل، ومركبتنا ذيلها مَثْلوم، وجناحها مخدوع بألوان ريش البوم.
فلا تعودوا لوعيكم، لتسألوني، هل كنا، كيف رحلنا، من نحن؟.
سأمحو أسئلتكم بالضياء، وأبكي، فتذكرتي مثلكم كومة رماد متفجر.
shaher.
a@makkahnp.
com