كنت قد ذكرت في مقال سابق أنّ الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود كان بنظرة ثاقبة قد قرّر أن يكون للمملكة علاقات دولية مؤثرة حتى قبل أن تظهر حمى النظام العالمي الجديد.
ولم تقتصر العلاقات الدولية للمملكة سواء أكانت ديبلوماسية أو اقتصادية على الولايات المتحدة وحدها وإنما سبقتها بالعديد منها، كان أبرزها اتفاق الملك عبدالعزيز مع ألمانيا في عام 1929م.
أما في 1931م فقد أصدرت الولايات المتحدة قرارها بالاعتراف بالدولة السعودية تمهيداً لتأسيس علاقات دبلوماسية.
وفي لقائه مع الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت، بالإضافة للقيمة السياسية لذاك اللقاء، فقد كان للملك عبدالعزيز رؤيته الشاملة فيما يتعلق بموقع السعودية آنذاك واستشرافها لمستقبل العلاقات الاقتصادية الدولية، والتي تمت ترجمتها بانضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية في نوفمبر 2005م بعد مفاوضات استمرت 12 عاما.
إنّ عولمة العلاقات الاقتصادية واندماج الشركات متعددة الجنسيات، جعل المملكة العربية السعودية تواجه بنية اقتصادية دولية تتسم بتغيرات جوهرية متسارعة، مما انعكس على طبيعة أسواقها وهياكلها الإنتاجية.
ويسعى العالم إلى تحسين أسعار النفط في الأسواق الدولية، لتخفيف التأثيرات الناتجة عن انخفاض أسعاره، فلا بد من اقتحام مجالات اقتصادية أخرى تُسهم بشكل فعّال في الاقتصاد الوطني.
وما شهده منتدى الاستثمار السعودي - الأمريكي الذي تزامن مع زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود للولايات المتحدة الأمريكية؛ من توقيع اتفاقيات وشراكات اقتصادية بين الشركات والمؤسسات السعودية ونظيراتها الأمريكية، يلبي هذا الغرض بعد دخولها حيّز التنفيذ.
وتنبع أهمية هذه الاتفاقيات في أنّها شملت مجالات عدة في قطاعات مهمة وحيوية وهي: خدمات الرعاية الصحية والصيدلة والصناعة والسياحة والتدريب والإسكان والتوظيف وغيرها من القطاعات الحيوية.
وما يذهب من هذه الاتفاقيات في مجال التنمية البشرية هو أنّها ركّزت على التعاون في مجال تبادل الخبرات ونقل التقنية للإسهام في توفير المزيد من فرص العمل النوعية للقوى العاملة السعودية.
تبقت هناك مسألة تصنيف المملكة العربية السعودية في تعريفات المنظمات الاقتصادية الدولية من ضمن الدول النامية.
لا شك أنّ لهذه المنظمات تقديراتها ومقاييسها لتصنيف الدول.
ترجّح المملكة كفة هذه التقديرات بالنظر إلى أنّ اقتصادها الذي يُعدّ أكبر اقتصاد مستقر في منطقة الشرق الأوسط، وتتميز بعضويتها الفاعلة في مجموعة العشرين الاقتصادية الكبرى، إلى جانب عضويتها في منظمة التجارة العالمية، وامتلاكها أكبر احتياطات خارجية على أساس المعدل الفردي.
كما أنّ المملكة تبوأت المركز (12) وفقا لتقرير البنك الدولي لعام 2012م ترتيب الدول في مجال تيسير إجراءات الأعمال من بين 183 دولة في العالم.
وكذلك يشكّل ارتباط المملكة والولايات المتحدة بعلاقات اقتصادية وتجارية قوية وشراكتهما الممتدة على مدى ثمانية عقود، ثِقلا اقتصاديا كبيرا، خاصة وأنّه قُدّر خلالها حجم الميزان التجاري ما بين البلدين عام 2013م بمبلغ (7ر113 مليار ريال).
قد تكون هناك بعض الحسابات الخاصة بموضوع التنمية المستدامة وهو ما تضعه المنظمة العالمية في الاعتبار، فيصبح من المتوقع أن تقوم اتفاقيات التعاون فيما يتعلق بالاستثمار الأجنبي المباشر متمثلا في الجانب الأمريكي، برفع وتيرة التنمية في المملكة مما يعمل على رفعها من الموقع الوسط بين الدول النامية والمتقدمة إلى مصاف المتقدمة.
كما أضفى العامل الجيواستراتيجي المتمثّل في موقع المملكة الجغرافي المطلّ على شاطئين مفتوحين صالحين للملاحة طوال العام، استراتيجية اقتصادية خاصة لها.
هذا فضلا عن أنّها قبلة المسلمين من شتى بقاع الأرض، وما يمثّله هذا العامل من دعم معنوي كبير، جعلها في حالة استقبال دائم لضيوف الرحمن الزائرين المعتمرين والحاجين لبيت الله الحرام.