(لوجندرا أوجها) شاب من نيبال الفقيرة، أذهل أعظم مؤسسة فضائية في العالم، فبيّنوا فضله في أول اكتشاف مدعوم بالأدلة على وجود الماء على سطح الكوكب الأحمر (المريخ)، هذا الاكتشاف العظيم يضعنا أمام عدة دروس يجب أن يتوقف عندها عالمنا الثالث الرافل في غياهب التعصب والجهل والعنصرية، فقراءة لكثير من التعليقات على الخبر من مختلف الجنسيات العربية في موقع (العربية نت) تكفي لأن ندرك أننا نعيش أزمة كونية، فإن ذهب العالم شرقا غرّبنا، وإن جاؤوا من اليمين فضّلنا الشمال، دون علم ولا برهان.
أعجبتني شخصية هذا الفتى النيبالي، وعدم انبهاره بكل تاريخ (ناسا)، وخضوعه لمقولة (هم الخبراء)، وهم مصدر الصور التي درسها ودقق النظر فيها، ومن الطبيعي أن يقول «إن من دفع المليارات لالتقاط هذه الصور، لن يتركها دون تدقيق، ولا طائل من إضاعة الوقت في تفحصها»، خاصة ووكالة ناسا تستقطب أذكى الأدمغة وأعلى الخبرات في مجالها، لكن العلميّة التي تسكن لوجندرا جعلته يحاول، فتوّج الله محاولته بالنجاح، وفي هذا درس علمي مهم لكل الناس: «أن الحقيقة ليست حكرا على أحد مهما علا كعبه في مجال تلك الحقيقة»، ويعطي الناس أملا بأن قوة العقل البشري لا تُبقي طريقا مسدودة، ولا تناهي في العلم.
إعجابي الآخر أزجيه إلى وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) التي لم يعلُ صوتها في نسبة الفضل إليها، فهي صاحبته الأولى حين التقطت تلك الصور، وأتاحتها للباحثين؛ لإيمانها بمشروعها، فتجلّت موضوعيتها وأمانتها العلمية، وحرصها على لوجندرا حين أتاحت له مؤتمرا صحفيا، فهل ستفعل مؤسساتنا العلمية، أم ستكون كل الفلاشات على المدير والخبراء ويغيب لوجندرا العربي أو يُقزّم في زاوية من المشهد، وربما يُدفن بمكافأة مالية هزيلة، أو شهادة شكر.
وبعد الإعجاب أعود إلى عالمنا الثالث الكئيب، واتهام كل نظرية أو اكتشاف علمي، فلا تزال (ناسا) كاذبة في زعمها الهبوط على سطح القمر عند الكثيرين، ولا تزال كروية الأرض وحركتها لغز لا يؤمن به الكثيرون في العالم الثالث، إذ جعلوا العداء السياسي أو الفكري أو الديني للغرب مسوّغا لتكذيب كل اكتشاف علمي، رغم الاعتماد الكلّي على منتجات ومكتشفات أولئك القوم العاملين، وتعليق مصائبنا من الأوبئة والكوارث انتظارا لما تسفر عنه أبحاثهم ومكتشفاتهم.
أجهدت دماغي متسائلا: ماذا سيضر العالم العربي أو الإسلامي حينما تكتشف (ناسا) ماء على كوكب المريخ؟ أو حينما يهبطون على سطح القمر، أو يحاولون اكتشاف حياة أخرى في الكون؟، فإن قلت إنهم يخافون أن تؤثر هذه المكتشفات على أديان العالم الثالث، فلا حجة ولا دليل أنها ستؤثر، ولن تؤثر إلا في عقيدة خاطئة تخالف سنن الكون؟ وحاشا أن يكون الدين الإسلامي والقرآن كذلك، فهو أكثر الكتب السماوية دعوة إلى العلم والتفكر والاكتشاف، وكيف نغفل عن قوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} [سورة الرحمن33]، فلم ينكر خالق الكون أن الإنس والجن يستطيعون التحرك في الكون الفسيح، لكنهم لا يستطيعون إلا بسلطان، وما السلطان إن لم يكن توفيق الله و(العلم) الذي هيأ الله عقل الإنسان له.
وإن قلت إن أبناء العالم الثالث يملكون علما وبرهانا يقينيا ينقض تلك المكتشفات العلمية، فأين أدلتهم وبراهينهم المادية أو النظرية، فتكون الإجابة (فاي: لا شيء)، والمؤسف حين يكتشف العالم سرا من أسرار الكون، يسارع كثير من علماء المسلمين إلى التبجح: بأن المكتشفين لم يأتوا بجديد، فهذا الأمر مذكور في كتاب الله (القرآن) قبل أربعة عشر قرنا، غير منتبهين إلى إدانتهم للعقل العربي والإسلامي، وإقرارهم بصداميته وجموده، فما منعكم من اكتشاف ما ذكره القرآن (يا سادة) ليعم خيره البشرية؟!
إن علماء الدين المعتدلين يدعون إلى التخصص في النظر والتحدث حول المسائل الدينية، مع أن الدين لله وقد كلف به كل الناس، فهو أمر عام للجميع، وقد سلّم الناس اتباعا للمنهج القرآني برد ما يشكل عليهم في الدين إلى الفقهاء، لكنني أستغرب تنصّل بعض المشايخ من دعوتهم حين يقحمون أنفسهم في العلوم الطبية والفضائية والهندسية والفنية، ويصوّرون للناس ما ينافي العقل والمنطق، وربما يلجأ بعضهم إلى الخرافة، أو ليِّ أعناق النصوص إلى وجهة نظره دون علم ولا برهان، فالنتيجة اليوم أن الشاب ذي 21 عاما أهدى البشرية اكتشافا مذهلا، وكثير من أقرانه في مجتمعاتنا انقلبوا على أهليهم قتلا وتكفيرا، فما أكبر الفرق بين مَن (يبني) ومن (يهدم)، وبين مَن ينفع الناس بمنجزاته، ومَن يصليهم نار القتل والعدوان والتهجير والجوع والمهانة، وليت قومي يعلمون!!
واكبدي اللي على المريخ منشطرة!!
أحمد الهلالي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
