تجلس في أمان الله «لا بيك ولا عليك» في مجلس ما مع مجموعة من المثقفين أو غير المثقفين ويكون في نيتك غالبا أنك ستؤدي واجبا ما تجاه أحدهم أو أنك فقط تريد الاستمتاع بصحبتهم، فتجد أحدهم يتحدث في كل أمر ويفهم في الذرة والفلك والفضاء والقضاء والكرة والطبيخ والموضة والتاريخ والجغرافيا والرياضيات وهندسة الحدائق والطرق وخطط البلديات والتربية والطب والسباكة والمقاولات والبيع والشراء والأسهم وأسباب تخلف وتقدم الشعوب والسياسة وما وراء السياسة والنوايا وما وراء النوايا والسحر وفكه وربطه والفتوى وما أدراك ما الفتوى فيصول ويجول في ميادينها وعادل إمام وعادل خلف والفراعنة ولعنتهم والفرس و.
.
ولعنتهم أيضا وأمريكا وأم ريكا وتبدل الفصول ودرجات الحرارة والاحتباس الحراري والاحتباس الأخلاقي والانفجار السكاني والانفجار الـ.
.
.
.
أي انفجار والسلام.
.
و«السوشيال ميديا» و«البرايفت ميديا» والثقب الأسود والثقب الأبيض وما بينهما من ثقوب وألوان.
وكل ما يقوله هو الصحيح ويجب أن توافقه الرأي وإن لم توافقه الرأي فأنت شخص غريب الأطوار وربما ينبذك ويؤثر في الآخرين فينبذونك أيضا! أليس شخصية تستحق الإعجاب؟ أليس نوعية فذة نادرة؟.
.
لا، ليست نادرة، أبدا.
فقد أصبحنا نجد أمثاله في كل مكان نذهب إليه: في أماكن الانتظار في المستشفى والجوازات والبنك وحتى ملاهي الأطفال والمطار وحول مدارس الطالبات حين تنتظر ابنتك عند انتهاء يومها الدراسي.
وعنده لكل مشكلة حل أو لكل حل مشكلة.
وعنده حنجرة لا تتعب ولا تكل ولا تمل في أي نقاش يمسك هو بالطبع بزمامه شئت أم أبيت، فيعلو صوته ليفرض عليك رأيه الذي لا يحتمل إلا الصواب والصواب فقط.
ولن تجد سوى مخرج من اثنين: أن توافقه الرأي في كل ما يقول أو أن تعارضه فيشن حربا عليك بشكل همجي لفظا وانتقادا أو بشكل غير مباشر كما قلت سابقا بمعاملتك على أنك غريب الأطوار غير مرحب بك.
ألم تصادف هذه النوعية؟ أعرف أنك ستجيبني بأنك تصادفها وتعاني منها حتى في بيتك.
وإذا سألتني لماذا تتواجد هذه النوعية في مجتمعاتنا العربية، فلا أعرف إن كانت إجابتي ستكون لأننا نتاج ثقافة فرض الرأي ونمط العيش منذ الصغر في البيت والمدرسة والشارع، أو لأننا نتاج ثقافة حب الظهور مهما كانت الوسيلة، أو لأننا نتاج ثقافة رفع الصوت والجعجعة وعدم تقبل العيوب بنا وبسوانا، أو لأننا نتيجة ثقافة العيب أولا ثم الحرام والحلال فتجد أخانا يطلب من زوجته تغطية كل شبر من جسدها وهو مثلا لا يصلي!