قبل 60 عاما لفت إعلان في صحيفة يومية كانت تقرأها الطفلة «آمال بدر الدين»، انتباهها وحول خارطة حياتها، حينما قرأت طفلة السادسة من العمر التي كانت للتو قد ختمت حفظ القرآن، وكتابي «أربعون حديثا» و»ستون حديثا» اللذين تعلمتهما على يد الفقيهة، إعلانا «على من يجد في نفسه القدرة على اختبار الابتدائية التقدم للامتحان»، فقابلت المنع الأول في مسيرتها، لكنها كسرت عزم الـ»لا» الأولى فحصلت على أول شهادة ابتدائية بمكة
تروي د. آمال بدر الدين السماري طبيبة الأطفال السعودية الأولى لـ»مكة» بكثير من الحميمية وبذاكرة مشبعة بالتفاصيل حكاية حياتها، التي تمثل حقبة مهمة في تاريخ انطلاق المرأة السعودية، لوضع البصمة العلمية والعملية لمجتمعها، تقول»سبع بنات تقدمن للامتحان بعد إعلان الصحيفة وحصلن على أول شهادة ابتدائية بمكة ثم أتيحت لي الفرصة لأسافر مع إخوتي إلى القاهرة حيث أكملت الإعدادية والثانوية في الستينات التي كانت أزهى عصور المحروسة»
انتقالها إلى القاهرة لم يكن مخاضا سهلا لفتاة يتيمة الأب حاول خالها مرارا وتكرارا تأطير حياتها ضمن قالب محلي تقليدي بحت لولا إصرار شرس من والدتها لتنفيذ وصية زوجها، وتضيف «أمي متفتحة عقليا، لأنها تزوجت صغيرة وتربت على عادات أبي الذي كان بدوره منفتحا ومثقفا حريصا على الكتابة والقراءة وله مكتبة عامرة، عمل والدي مطوفا يسافر لجلب الحجاج فجعلنا هذا الوضع في اختلاط دائما مع مختلف الجنسيات وخلق لأبي رحابة في التفكير وتسامحا مع الاختلاف والتنوع، وهو ما أثر على والدتي وجعل منها امرأة تنويرية»، مع كل مولود لوالد آمال كان عليه أن يجد له الاسم والمهنة وكان نصيبها أن تولد بمهنة الطبيبة
«درست في ثلاث جامعات لأحصل على شهادة الطب الأزهر، في السنة الأولى حتى يتاح لي أن أنتقل إلى جامعة القاهرة لأدرس السنة الثانية، ثم ذهبت إلى أخي قبل حرب 67 مباشرة إلى فيينا لإكمال دراستي»، تطلب انتقالها إلى فيينا أن تدرس اللاتينية والألمانية قبل أن تشرع في دراسة الطب، وكانت جامعة فيينا تضم مئة شاب سعودي إلى جانبها هي الفتاة السعودية الوحيدة
تقول «كان علي أن أكون أختا للجميع، كنت أقوم بتحضير الفطور لهم يوم العيد حتى يشعروا بجو الأسرة»، غير أن أحدا من المئة شاب سعودي قرر أن يكون معها أسرتهما الخاصة فقابل أهلها وحضرت والدتها إلى فيينا ليتم الزواج في الملحقية الثقافية السعودية هناك
«لم أوقف أي مسار في حياتي، كنت حريصة جدا وأنظم وقتي بشدة، أكملت دراستي في فيينا حتى حصلت على الدكتوراه في الطب وأنجبت ابنتاي فيها»، ثم بدأت رحلة العودة
وإن كانت الأمور يسيرة في القاهرة وفيينا فهي لن تكون كذلك حين تعود للمجتمع المحلي في بداية السبعينات، تقول الدكتورة آمال «لم يكن في الرياض إلا مستشفى الملك عبدالعزيز الجامعي ومستشفى الشميسي، وطلب مني مدير مستشفى الملك عبدالعزيز أن أعيد سنة كاملة من التدريب، وظفني فيها بـ2000 ريال فقط، وبالفعل عملت سنة في ثلاثة أقسام: الباطنة والجراحة والعيون، ثم جاء د
زهير السباعي ونقلني إلى قسم طب الأسرة والمجتمع وتم تعييني كمعيدة رسميا بجامعة الملك سعود في 81-82، ودرست أول دفعة طب من الطالبات السعوديات وعددهن 22 طالبة حتى تخرجن ومنهن عضوة مجلس الشورى د. نهاد الجشي ود. منى الشاهد ود. ابتسام جواهرجي ود. مشاعل آل سعود»
بعد تجربتها في مستشفى الملك عبدالعزيز الجامعي انتقلت د. آمال بدرالدين السناري إلى قسم طب الأطفال في مستشفى الشميسي بناء على رغبتها في التخصص بطب الأطفال، وهناك عملت ضمن أول مجموعة دراسية في المملكة لتحصل على دبلوم لطب الأطفال
ردود فعل العامة من وجود طبيبة سعودية في المستشفى آنذاك كان إيجابيا بما لم تتصوره د. آمال «كانوا يقولون نادوا لنا البنية السعودية»!
تؤمن د. آمال أن الطب ليس وصفة دواء ولهذا كانت حريصة أن تجلس مع مرضاها من الأطفال وأمهاتهم وقتا كافيا يتيح لها تثقيفهم صحيا عوضا عن وصف الدواء المناسب للحالة، ولأنها وجدت أن القائمة الطويلة من المرضى في المستشفى لن تمكنها من تنفيذ ما تؤمن به قررت أن تختلق بيئتها الطبية الخاصة بها
«افتتحت عيادتي الخاصة بعد أن تخرجت طالبات الدفعة الأولى والثانية من الطب وأيضا كثر عدد الأطباء وانتعشت المستشفى بالجميع فقررت أن أبدأ بعيادتي الخاصة لأمارس مهنتي كما أؤمن بها؛ وخططت أن يكون مركزا للعلاج الطبيعي متكاملا للطفل وأمه فخصصت في المركز صالة رياضية كانت الأولى في الرياض، وبركة سباحة وحمامات ساونا وجاكوزي»
إلى جانب ذلك شرعت د. آمال بعدد من الأنشطة بهدف التثقيف الصحي، نشرت كتاب الرعاية المثالية لصحة الطفل في 1996، ثم لجأت إلى الإعلام المرئي كونه أوسع النوافذ لنشر هذه الثقافة، وعن نشاطها الاجتماعي تقول «قدمت في التلفزيون ثلاث مجموعات من البرامج الصحية كل مجموعة 10 ساعات مرئية وحصلت المجموعة الأخيرة على جائزة عالمية»، هذه التجربة جعلتها تسعى إلى تقديم برامج صحية أكثر فلم تجد بدا من أن تفتح شركة إنتاج خاصة لإنتاج برامج التثقيف الصحي، وعبر هذه الشركة كانت أول امرأة تطالب بترشيح نفسها لمجلس إدارة غرفة الرياض
آمال بدر الدين أول طبيبة أطفال سعودية.. من الفقيهة إلى طب فيينا
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
