كان الخميس الماضي يوما تاريخيا بكل ما تعنيه الكلمة: فقد كان - مع كونه يوم عيد الأضحى - يوما شهد مأساة دونها التاريخ بالأسى، وحفرت في النفوس خنادق من الحزن، فامتزج الفرح بالعيد مع مشاهدة حادثة التدافع التي وقعت في ذلك اليوم بمشعر منى.
أصيب البعض بحالة من التعجل والاندفاع في استنتاج الأسباب وبالتالي إصدار الأحكام، وللأسف ظهر بعضهم في القنوات يحلل دون دليل، وبقي المتأملون ينظرون وينتظرون ما سيصدر عن هذه البلاد ويترقبون ما ستسفر عنه التحقيقات، وكأن لسان حالهم: لا نرمي بالتهم جزافا ونحن في أيام فاضلة؛ ففي ذلك ظلم بين وإثم ليس بالهيّن.
وبين هذا وذاك بدأ التحريف عند المتربصين لهذه البلاد، والتلفيق والدبلجة في محاولة يائسة بائسة لتوظيف الحادثة سياسيا واستغلالها لمآرب معلومة وأهداف مكشوفة.
هؤلاء المتربصون لا يفتؤون يستغلون الأحداث ظنا منهم أن العالم مغيّب عما يجري، في حين أنه بات أشبه ما يكون بقرية صغيرة تقاربت أجزاؤها، فعلم من في شرقها ما يجري في غربها، وهكذا شمالها وجنوبها وفي ذات التوقيت من خلال التقنية الحديثة وبرامج التواصل الاجتماعي.
ولكن كما قيل: وكيف يصح في الأذهان شيء، إذا احتاج النهار إلى دليل؟بلاد تنفق مليارات وتخصص معاهد وتجري دراسات من أجل راحة الحجيج، وتسعى إلى رفاهيتهم، هل يمكن أن توصم بأمور يترفع القلم عن ذكرها، وتوصف بأوصاف مقذعة كالتقصير وتعمد الخطأ؟ثم يأتي المغرضون ومن في قلبهم مرض لعرض استفتاء مشين لغرض سياسي وضيع، سبق أن طالبت به دولة شغلها الشاغل زرع الفتن ومحاولة الزعزعة، ولكن هيهات.
ولا يعنى هذا مطلقا عدم المطالبة بمحاسبة المقصر، فالبشر ديدنه الخطأ (كل ابن آدم خطاء) ويعتريه النقص، إذ يأبى الله إلا أن يكون الكمال له وحده، بل المحاسبة والمعاقبة مطلوبتان، وقد وعد خادم الحرمين الشريفين بذلك، وشكّل ولي العهد لجنة للتحقيق، والجميع على ثقة تامة أنه في حال الانتهاء من التحقيق سيسمع ما يثلج صدره.
وبالعودة للحج فإن من المتحتم إعادة النظر في شؤونه، فمفهوم الاستطاعة يفترض أن يندرج تحته أمور جديدة كالوعي والإدراك، بحيث لا يأتي للحج إلا من اجتاز دورة خاصة تعقدها الملحقيات الثقافية في سفاراتنا في الخارج والتشديد في ذات الوقت على القدرة الجسمانية، ومن يشاهد حال بعض الحجيج يدرك للوهلة الأولى ضرورة التمسك بهذا الجانب؛ فالبعض لا يعلم عن أحكام الحج وواجباته شيئا، ومن جهة أخرى تجاوز الثمانين من عمره، فهو فاقد للأهلية، وبالتالي مثل هذا يوضح له أنه بات غير مستطيع والحج شرطه الاستطاعة «لمن استطاع إليه سبيلا».
وهنا لفتة لوسائل إعلامنا، فالمفترض أن تشهد فترة الحج تكثيفا للبرامج المتعلقة بالحج، بحيث يستطيع الحاج الحصول على دورة تدريبية من خلال مشاهدته أو سماعه أو قراءته، وحسنا فعلت وزارة الثقافة والإعلام بتدشينها قناة باللغة الفارسية، وهي قبل ذلك لديها قناة بالإنجليزية، ونترقب المزيد كالفرنسية وغيرها من لغات العالم.
وأتذكر أن صحيفة محلية كانت تخصص في أيام الحج صفحتين يوميا بلغة مختلفة عن الحج، لكنها توقفت لأسباب غير معلومة!إن وسائل إعلامنا يفترض أن تتغير في أيام الحج، بحيث يلحظ المرء تكثيفا للبرامج والدورات والتوضيح والإرشاد بالصورة والصوت والقراءة للحج بكافة تفاصيله.
أما دور هذه الوسائل في حادثة منى فكان من المفترض أيضا تسليط الأضواء وبشكل مكثف على تلك الجهود المبذولة والتطورات التي شهدتها المشاعر، فلم يعهد عن دولة على مر التاريخ أن أولتها اهتماما وعناية كالدولة السعودية وقيادتها الرشيدة أيدها الله، وفي ذلك إلقام بحجر لتلك الأفواه وإلجام للأبواق الناعقة، وليكن ذلك بمهنية راقية.
وكان المتوقع إبراز الاتهامات والرد عليها، وتكرار الخطب التي تحدثت عنها والمؤتمرات الصحفية التي عقدت بشأنها، فالمسألة - كما هو مشاهد - حرب إعلامية لا بد من المنازلة ومقارعة الحجة بالحجة، ولسنا في موقف ضعف يجعلنا نستكين، بل نستطيع المقارعة ولا يوجد لدينا ما نخفيه أو نتخوف منه، وجهودنا يلمسها الجميع، فكل من يحج ثم يعود للحج يجد من التسهيلات جديدا ومن المشاريع مزيدا.
والإعلام بات صناعة يفترض أن نمسك بزمامها، ونبادر لامتلاك مكنوناتها ونستحوذ على مكوناتها فنبرز ولا يفوقنا أحد؛ فالإمكانات متوفرة والكوادر موجودة ولا عذر إلا لمتقاعس أو متهاون، فهل نفعل؟
حادثة منى: تحريف وتوظيف.. تعجل وتأمل!
عبدالغني القش4 دقائق للقراءة

حجم الخط
