لم تعد الخلافات السعودية الإيرانية تسمى حربا باردة بعد اليوم، في خضم توارد الحجج الدامغة التي تؤكد تورط إيران في إشكالات أمنية وعمليات إرهابية داخل منطقة الخليج العربي، ودورها في مؤامرات تستهدف إثارة الفتن والنزعات الطائفية في المنطقة، علاوة على مواجهة مفتوحة، سواء على الساحة اليمنية أو خارجها.
كنت قد كتبت مقالا سابقا عن مراسم «البراءة من المشركين» عند قائد الثورة الإيرانية الراحل الخميني، ومن بعده الحالي علي خامنئي وكثير من رجال الدين الشيعة، الذين يحاولون جاهدين توظيفها في المناسبات الدينية الجامعة لكل المسلمين، والتي تعتبر واجبا عباديا سياسيا، بل هي عند كثير من مراجعهم ركن من أركان فريضة الحج التوحيدية، وواجباتها السياسية التي من دونها لا يكون الحج صحيحا، وعليه أصبحت هذه القضية محور حديث آياتهم، وصار إعلانها في موسم الحج وفي البقاع الطاهرة عبر مسيرات حجاجهم قطب اهتمامهم، فلا تخلو سنة في الفترة الأخيرة من دعوة إلى ما يسمى بالبراءة أو القيام بتظاهرات البراءة.
وقد شاهدنا الكثير من هذه المسيرات عبر مقاطع فيديوهات انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي.
وعليه فإن تورط حجاج إيران وأتباع مذهبها وحلفائها ليس مستبعدا، بل يتأكد مع مرور الوقت أن لها يدا في التخطيط لحادثة تدافع منى، وإلا فمن أين جاء القتلى الإيرانيون في الوقت الذي لم يكن بين جموع الشارع 204 أي إيراني؟ هذا الاستفهام الكبير يثير الشكوك والريبة، بل إن شهادات بعض الحجاج ذهبت إلى أبعد من «الاحتمالية» إلى الاتهام الصريح، بعد أن كانوا شهود عيان في مشعر منى على دور للحجاج الإيرانيين فيما حدث من تدافع، ولذلك عندما شعر الإيرانيون بأن أصابع الاتهام بدأت تتجه اليهم، بدؤوا بحملاتهم المعتادة التي تستهدف جهد المملكة في مجال الحج، في مسعى إلى زرع بذرة التشكيك في القدرة على إدارة الموسم.
وبالمناسبة فإن هذه الحملة بدأت قبل حادثة التدافع بأيام عندما وظفت طهران حادثة سقوط الرافعة في الحرم المكي، حيث اتهمت فيها السعودية عبر وسائلها الإعلامية بـ»الإهمال» في مسألة الرافعة.
قد يكون أكثر ما يثير الاشمئزاز في هذه الحملة تجاوز الحكومة الايرانية «حدود اللياقة» عندما طالبت بإشراكها في لجنة التحقيق التي أمر بتشكيلها خادم الحرمين الشريفين، من أجل التحقيق في مجريات حادثة التدافع.
وهنا تدخل سافر وتعد صريح على سيادة المملكة، ومما زاد الطين بلة، دخول الحكومة التركية على نفس الخط الإيراني، فقد صرح رئيس الشؤون الدينية التركية محمد غورماز بـ «أن إدارة الحج تواجه مشكلة واضحة»، داعيا إلى «عقد اجتماع دولي لمناقشة تأمين أمور الحج»، ليلتحق به محمد علي شاهين نائب رئيس حزب العدالة والتنمية التركي (الحاكم) ويفصح عما في قلب تركيا بالقول «إن بلاده يمكن أن تنظم الحج بشكل أفضل من السعودية».
بالنسبة لي لم أكن مستغربا أن يشاطر بعض مسؤولي الحكومة التركية القلق الإيراني من الدور السعودي في إدارة الحج، فكلتاهما لها أطماع سياسية قديمة، بامتلاك نفوذ على أرض مكة والمدينة، وإن اختلفت النوايا والطموحات.
وأنا هنا حقيقة لا أريد أن أضع تركيا بنفس «سلة» إيران، فعداء إيران وحقدها واضح للعيان، أما تركيا فهي بلد صديق وتربط المملكة بها علاقات وثيقة مهمة، لكن حق لنا أن نستنكر ونشجب تصريحات وطموح بعض مسؤوليها.