فضيحة الغش والتلاعب في اختبارات انبعاثات العوادم التي عصفت في « فولكس فاجن» سيكون ثمنها باهظا اقتصاديا وسياسيا على الصناعة الألمانية الأشهر عالميا، فالسيارات الألمانية التي عرفت منذ القدم بالجودة والأمان ستواجه مستقبلا أزمة ثقة من قبل المستهلك العالمي فيما يتعلق بمطابقة الاشتراطات البيئية.
وقد تخضع مستقبلا لاختبارات مشددة قبل الإذن لها بالدخول إلى الأسواق العالمية للتأكد من مطابقتها لتلك للمواصفات.
هذه الأزمة دخلت منعطفا جديدا بعد أن أقرت واعترفت الشركة الألمانية بتلاعبها في نسبة وقيم العوادم المنبعثة من محركات سياراتها التي تعمل بالديزل في الولايات المتحدة، وأن نحو 11 مليونا من سياراتها في الولايات المتحدة وحدها مزودة ببرنامج معلوماتي للغش في اختبارات مكافحة التلوث.
تعود قصة هذا التلاعب المتعمد من قبل «فولكس فاجن»، وفقا للصحيفة «بيلد» الألمانية الشهيرة، إلى عام 2007 عندما سلمت شركة « بوش» الشركة المعنية بإنتاج التجهيزات برنامجا معلوماتيا للمحركات المغشوشة لشركة «فولكس فاجن» لاستخدامه في اختبارات داخلية، وليس لتزويد المحركات به، لكن فولكس « فاجن» عمدت لاستخدامه بهدف تزوير نتائج تجارب مكافحة التلوث البيئي، رغم إبلاغها من قبل « بوش» أن استخدامه من قبل مجموعة السيارات «غير شرعي».
ما حدث يصنف تحت الإخلال بأخلاقيات المهنة أو العمل « Work Ethics»، واستقالة الرئيس التنفيذي للشركة «مارتن فينتركورن» على خلفية هذه الأزمة، وتعيين « ماتياس مولر» بديلا له إجراء متوقع، لكنه لن يحل الأزمة بسهولة، فالشركة خسرت 30% من قيمة أسهم الأسبوع الماضي بما يعادل نحو 20 مليار يورو، وستدفع نحو 18 مليار دولار (16 مليار يورو) غرامة هذا التلاعب، إلى جانب التعويضات التي ستكون الشركة ملزمة قانونيا بدفعها لنحو 11 مليون عميل في الولايات المتحدة وحدها، مما يعني أن الشركة قد تواجه صعوبات مالية قد تضطرها لإعلان إفلاسها، وذلك لن يمر بسهولة دون أثر سلبي على الاقتصاد الألماني، حتى وإن حاول بعض المحللين التقليل من أثرها.
الأضرار الاقتصادية لن تكون محصورة على الشركة وحدها، بل سيطول أثرها الصناعة الألمانية بشكل عام، وصناعة السيارات بشكل خاص، وسوق العمل في حال أعلنت الشركة إفلاسها.
يمكن أن تقرأ ذلك من تصريحات حكومة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، فالقلق الشديد من اهتزاز ثقة المستهلكين من شتى أنحاء العالم في عبارة «صُنع في ألمانيا» كان واضحا في لغة الحكومة، فالمستشارة الألمانية ميركل طالبت الشركة باعتماد شفافية كاملة، وتوضيحات سريعة، مضيفة أن «الأمر يتعلق الآن بالبرهنة عن شفافية كاملة وتوضيح مجمل العملية، وتأمل أن تحل الأمور بسرعة»، ووزير الخارجية الألماني فرانك شتاينماير هو الآخر طالب بتحقيق سريع في فضيحة التلاعب، وقال إنه «سيتم التحقيق في كيفية معالجة هذا الأمر بين فولكس فاجن والسلطات في الولايات المتحدة»، هذه التصريحات تكشف أن القلق من احتمال انتقال العدوى إلى صناعة السيارات الأخرى التي تشكل 20% من الصادرات، هو الهاجس الأكبر في قطاع السياسة والأعمال.
هذا القلق الذي دب في قطاع الأعمال والسياسة له مبرراته، فالأزمة التي تمر بها فولكس فاجن يمكن أن تقود إلى انهيار الثقة في الصناعة الألمانية، والحكومة الألمانية تعي جيدا أن فقدان الثقة في صناعتها سيكون ثمنه باهظا اقتصاديا وسياسيا، واستعادتها في حال انهيارها لن يكون يسيرا، ويحتاج إلى وقت طويل لإقناع المستهلك، وتصحيح المفاهيم السلبية والشكوك التي خلقتها هذه الأزمة، لا سيما أن برلين تعول كثيرا على صناعة السيارات في دعم النمو الذي لا يزال دون مستوى الطموحات والتوقعات، وأن كان أفضل بكثير من اقتصاديات باقي المجموعة الأوروبية.
بعيدا عما يمكن أن يحدث لاقتصاد ألمانيا من هزة اقتصادية بسبب تلك الفضيحة، فإن ما حدث يندرج تحت الإخلال بأخلاقيات العمل، وتكمن في الغش والخداع والكذب وتقديم معلومات مضللة، وترتبط بالعلاقات الأخلاقية بين الشركة والبيئة، وما حدث في برلين يمكن في أمريكا أو بريطانيا، قد يحدث هنا في السعودية أو الخليج، والضابط الوحيد الذي يحول دون ذلك هو تعزيز أخلاقيات وقيم العمل، فهل نستفيد من تلك التجارب ونعزز أخلاقيات العمل في صناعاتنا ومؤسساتنا ومقاولاتنا، وتصبح تجربة «فولكس فاجن» درسا مجانيا لمراقبة أخلاقيات العمل.