كنت في زمن مضى موظفا بأحد القطاعات وابتلينا برئيس أهوج ... أتى إلينا وهو يحمل إرث حقد قديم مع رئيسنا السابق ... دبر مؤامرة لإزاحته ونجح وحل محله... وبدأت فصول الانتقام من كل من عمل معه أو كان مقربا منه... أقبل علينا وهو يرى موظفي قطاعنا كأثاث المنزل يغير فيه ما يشاء ويتلف ما يشاء وينقل ما يشاء، وليس كأنهم كائنات حية تشعر وتتألم... لا يقيس زوايا قراراته معهم على كفاءاتهم وخبراتهم ولا ينظر لهم برفق في حقوقهم ومطالبهم، بكل غيظ كل يوم ينفث.. كل يوم يهدد ويخصم وينقل وسوطه السلطة، الكل لم يسلم من هوجه وأذاه. هذه الأمور جعلت ألف حاجز بينه والموظفين وألف عقبة لمن يريد أن يفكر أن يناقشه في سير العمل، وعليه أن يحسب حساب التنكيل والسياط التي سترتسم على ظهره، لذا الكل يتحاشى الاصطدام به.
مضى حين من الزمان وبدأت فصول الفساد تكتب معه! مخالفاته في صلب العمل تتنامى وكثرت تجاوزاته تترامى وعيون من فوقه بصمتنا تتعامى! فاحت خفايا فساده وضربت الفوضى أطنابها في العمل، ولا أحد يجرؤ أن يقول له: لم عملت هذا أو ينشد منه تصحيح الوضع. وثبتت كل تجاوزاته بمستندات، بدأنا ننشد التغيير ونحاول إصلاح ما أفسد أو الحديث معه فلم يجرؤ أحد، فناشدنا الآخرين أن نكتب فيه لإعفائه، الكل تهرب وخاف البطش كان نائبه مخلصا جبانا وهو الوحيد الذي يمتلك نفس السياط وسلطة التغيير وكلمته مسموعة أكثر منا، لكنه لم يفعل، حتى أتاه دوره في التنكيل، فلم يصبر على ذلك ولم يقاوم، الملفات في يده والسياط تضربه وهو ساكت وهو على حق ومنهجه سليم ويده نظيفة ولكن لا فائدة مرجوة منه!
لجأ إلينا يتأوه من الألم ويشكو حاله، قلنا له: أين أنت عنا عندما كنا نناديك؟ سكت مهزوزا وترجى الوقوف معه فوقفنا معه وطلبنا منه أن يتكلم فكلمته مسموعة أكثر منا، إلا أنه رفض واستمر رئيسنا ينكل فيه حتى ثوى! ومع أن في يده ما يعدل المسار ويحق الحق ويغير الباطل إلا أنه لم يفعل وأنّى له أن يفعل!
لقد استفدت من هذه التجربة المريرة أن الشجاعة هي أم المكارم ومفتاح كل فضيلة متى ما امتلكها الشخص حق له أن يلج من أي باب شاء، فلن يكون المرء كريما وهو جبان، لأنه سيخشى الفقر والعوز إن أنفق ماله، ولن يكون فارسا مغوارا وهو جبان لأنه سيعرف أن نهاية الإقدام هي القتل ومغادرة الحياة بلا عودة. والتغيير للأفضل هدف سام وسنة كونية تتحقق به أهداف الحياة وثوابت ديمومة الحركة فالتغيير يعني الحركة وعدم التغيير يعني الركون والركون يفضي إلى التآكل والتآكل يؤدي إلى الفناء.
التغيير نمو مكلف لأنه انتقال من حال إلى حال والانتقال مشقة وتعب وإصرار على الحياة، فالماء الراكد عندما لا ينتقل من مكانه يفسد لا بشر يستفيد منه ولا حياة تعيش بداخله، ضرره أكثر من نفعه وتبخره خير من بقائه، عندما يتوقف التغيير تجف مياه الحياة ويقترب الزوال.
والسؤال الواجب الإجابة عليه كيف وممن ينشد التغيير؟ وأجيب بأنه لا يمكن القبول ممن كان جزءا من منظومة الفشل سابقا أن يكون على رأس منظومة التغيير والإصلاح للأفضل مستقبلا حتى وإن كان أمينا مخلصا بأي حال من الأحوال، ولا يعقل أن يقود التغيير جبان لم يستطع تغيير نفسه والتغلب على صعوباته التي واجهها ومن ثم نأتي لنلقي على عاتقه مهمة تغيير أوضاعنا وإصلاح أحوالنا وتذليل العقبات التي تواجهنا وهو عاجز في ذلك مع نفسه.
ولنا في قصة نبي الله موسى عليه السلام مع تلك الفتاة عبرة عندما قرنت القوة بالأمانة شرطا في نوعية الرجل المطلوب لتغيير أحوالهم والعمل لديهم، وما كانت إلا للتدليل على أن القوة والأمانة جزءان لا ينفصلان إن ذهبت واحدة زالت منفعة الأخرى، ولذا على المجتمع إن أراد التغيير للأفضل ألا يؤمل الشيء من نقيضه فلا يتنظر البرودة من النار ولا من الجمود الازدهار ولا من المثقف الجبان تغيير المحيط والمجتمع، وعليهم ألا يربطوا صحة التغيير بكثرة مرتاديه ومن يسير فيه وأن يتذكروا أنه في الشدائد: القلة تتبع سلامة المنهج والكثرة تتبع منهج السلامة!
لا تؤملوا التغيير ممن هذا طبعه!
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
