هناك في العالم تجارة الإنسان المحرمة دوليا، وهنا في بلادنا تجارة الأسنان المباحة قانونيا، وإذا قارنت بين قيمة الإنسان مباعا في الخارج، تجده يساوي قيمة الأسنان مباعة في الداخل
والسعودي كي يصلح أسنانه في مستشفى خاص عليه أن يقرر: هل يريد إنسانا بلا أسنان أو أسنانا بلا إنسان؟لأن التكلفة الباهظة تجعله إما أن يبقى بلا أسنان أو يصلح أسنانه ويبقى أسيرا للديون والجمعيات
من أجل ذلك كان السعوديون يذهبون إلى سوريا ظنا منهم أنها ستوفر عليهم مبالغ كثيرة، فإذا بهم ينفقون على التذاكر والسكن والفسحة قريبا من المبالغ المدفوعة هنا، وبالطبع كان ذلك قبل الحرب، أما بعد الحرب فأصبح السعودي يبحث عن بلد يصلح فيه أسنانه، لأنه لو غامر وذهب إلى سوريا فمن المحتمل أن يعود بلا أسنان وقد خسر الأسنان والإنسان
جلسة نزع الجذور التي تكلف دقائق من الطبيب تساوي ربع راتب سعودي من ذوي الدخل المحدود
وتلبيسة أحد الأسنان تساوي ضعف هذا المبلغ، والزراعة تساوي ضعفا آخر
والعجيب أن الأسعار تعتمد على المستوى المعيشي للموقع الذي يوجد فيه المستشفى، فإذا كان في منطقة شعبية كان بقيمة أقل لأن المناطق الشعبية يرتادها العمال والفقراء ولا تكلف أصحاب المستشفى النظافة والعناية الكافية
وإذا كان الموقع في منطقة متوسطة زادت الأسعار ضعفا، فإذا كانت في منطقة الأغنياء والتجار ارتفع السعر إلى ضعفين
يتهكم أحد الأطباء حين اعترضت على التكلفة التي سأدفعها وهي تقارب عشرة آلاف ريال قائلا: ولا حاجة، قلت: كيف؟قال: هناك من يدفع ثلاثين أو أربعين ألف ريال
أيها المسؤول الكريم: صحة الإنسان لا شك غالية، ولكن تكلفة الأسنان ليست غالية
والمسؤول عن هذا القطاع يعلم أن السن الصناعي الذي يكلف في مستشفياتنا ربع أو نصف راتب موظف لا يكلف في المعمل المحلي أكثر من خمسين ريالا وإذا بالغنا فلنقل سبعين أو ثمانين ريالا، وإذا أعطي الطبيب أجرة التركيب مع العلاج لا يستحق ربع القيمة التي يدفعها المواطن
لماذا المبالغة المخيفة في صحة الأسنان، ولماذا هي في بلادنا أغلى منها في مصر وسوريا واليمن وغيرها؟ لاسيما إذا علمنا أن الأطباء غالبا من هذه البلاد
قد يحتج تجار «الأسنان» وهو المسمى الأنسب لهم، بالتكاليف التي يدفعونها لهذه المستشفيات من معدات وإيجارات، ولكن هذه التكاليف لا يصح أن تؤخذ من جيب المواطن بل هذه مسؤولية الوزارة، ومن المتعارف عليه أنها تضع لهؤلاء التسهيلات والدعم والتشجيع لخدمة المواطن الذي يئس من أداء المستشفيات الحكومية حيث تمتد مواعيدها إلى ستة أشهر أو أكثر فما إن يتم العلاج حتى يكتشف المريض أنه فقد أسنانا جديدة
ونصيحتي لكل مواطن أن يخلع أسنانه للحفاظ على وقته وماله ويتجنب الآلام والأمراض
فقد اكتشفنا أخيرا أن الأسنان تأكل النقود أكثر من أكلها للطعام