أنجزت حكومة المملكة العربية السعودية مشاريع حضارية عملاقة على مدى سنوات طويلة لتسهيل الحج وتأمين راحة ضيوف الرحمن فضاعفت توسعات الحرمين الشريفين لاستيعاب أكبر عدد ممكن من المصلين والحجاج والزوار وشقت الطرق وبنت الجسور وحفرت الأنفاق وبلغت مشاريع خدمة الحرمين ذروتها مع إطلاق القطارات السريعة لخدمة الحجيج في المشاعر وتيسير وصولهم لها في أمن وأمان وسهولة في أوقات قياسية، هذا فضلا عن تأمين الخدمات الطبية بأعلى المستوياتوأحدث التجهيزات وتجنيد الأجهزة الأمنية بمختلف التشكيلات لتأمين راحة وسلامة حجاج بيت الله الحرام، ولا يقل شأن إسهام الكشافة والمتطوعين في إرشاد وتوعية الحجيج.
وبموازاة الجهود الرسمية يتسابق المحسنون في المملكة لخدمة ضيوف الرحمن بتوفير الوجبات الساخنة ومياه الشرب الباردة والعصائر ومشتقات الألبان يوزعونها بسخاء على ضيوف الرحمن يبتغون الأجر عند الله.
لكن المؤسف الذي يدمي القلوب أن بعض الحجاج يفرطون في هذه النعمة ولا يرشدون استخدامها وقد شاهدت بأم عيني كميات الطعام من أرز ولحم وأنواع المعلبات والكيكات متناثرة بكميات كبيرة في شوارع وطرقات الأماكن المقدسة تدهسها الأقدام وترى كذلك كراتين من المياه والمعلبات بأكملها وهي مرمية في الشوارع.
وإنك لتعجب من حاج جلس سنوات طويلة يستعد لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام الذي يجازي اللـه عباده به بغفران ذنبهم حتى يعودوا كيوم ولدتهم أمهاتهم إن هم لم يرفثوا ولم يفسقوا، وهل كفران النعمة إلا الفسوق بعينه.
وإنك لتعجب أكثر من المشايخ والعلماء والوعاظ الذين يلقون المواعظ على الحجيج ولا يلقون بالا لهذه الظاهرة الخطيرة ولا يعرجون عليها لا تلميحا ولا تصريحا وهي في واقع الأمر من أعظم المنكرات.
لا يمكن أن يتهم الحاج في صحة نيته أو في مقصده الحسن لكن هذه الأفعال والسلوكيات لا تتفق مع أداء هذه الشريعة العظيمة التي تستهدف تعليم الانضباط والسلوك المستقيم.
وهذه بعض الأفكار السريعة أرجو أن تساهم في معالجة هذه الظاهرة.
- تنظيم حملات لتوعية الحجاج قبل وبعد قدومهم بأهمية الحفاظ على النعمة وحرمة التبذير والإسراف وخطورة رمي الطعام في الطرقات.
- تنظيم عمل المحسنين الذين يتبرعون للحجاج بالمأكولات والمشروبات بحيث تتدخل الجمعيات الخيرية وضبط وترشيد توزيع الوجبات والمشروبات على الحجاج.
- احتفاظ العمال الذين يوزعون الوجبات بالعلب والأكياس حفاظا على نظافة المشاعر وتخفيف العبء على عمال النظافة وعدم التسبب في إرباك المشاة أو سقوطهم.
- احتفاظ الحجاج بالعلب والقوارير والصحون بعد استخدامها على سبيل الذكرى أو البركة أو إسهاما في نظافة المشاعر المقدسة.
- مطالبة العاملين على توزيع الوجبات بترشيد كميات الطعام وإعطائها على قدر الحاجة قبل ملء الصحون وأن ينبهوا الحجاج على عدم رمي الطعام.
- استبدال الوجبات غير القابلة للادخار مثل الأرز واللحوم بمأكولات خفيفة قابلة للادخار وأقل عرضة للإتلاف مثل البسكويت والكعك والمكسرات.
هكذا نريد حجا مبنيا على مقاصد الشارع التي تدعو بل توجب حفظ المال، حجا لا إسراف فيه ولا تبذير ولا كفران فيه للنعم.
نريد حجا حضاريا يبرز الصورة المشرقة لديننا الحنيف الذي جاء لإكرام الإنسان ورفع الحرج ودفع الأذي ومنع الإضرار.
نريد حجا نظيفا يظهر فيه المسلم بما أمره به الشارع من نظافة البدن والمسكن والحفاظ على البيئة.
فالحج الموجب للمغفرة وتكفير الذنوب إنما هو الحج الذي لا رفث فيه ولا فسوق، وتضييع النعمة من أعظم الفسوق.
الأمر بكل تأكيد ليس سهلا لكن التوعية أصبحت من الواجبات الملحة لتنبيه الحجاج لهذه الأخطاء والآثام الكبيرة.
وتلك مسؤولية مشتركة تبدأ من فترة استعداد الحاج للحج ولا تنتهي بوصوله للأماكن المقدسة.
الحفاظ على النعمة في الحج
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
