لطالما رفضت الحديث أو الكتابة عن اليوم الوطني، وذلك لرفضي التنميط أو التسجيع بغرض التوجب أو التظاهر، علما بأن غيري كثيرين سيفعلونه (فإذا قام به البعض سقط عن الباقين).
ولطالما قلقت من عدم إحساسي بهذا اليوم.
أتراني لا أحب وطني؟ أتراني أقل وطنية من أولئك الذين يرفعون الشعارات وينظمون الأشعار، ويهتفون بالفداء؟ حتى جاء ذلك اليوم الذي قرأت فيه مقالا عن الثورة الفرنسية وكيف أن الحكومة البديلة تعمدت أن تترك الناس بدون نظام أو قانون بعد سقوط الحكم، مما أدى إلى الفوضى والانفلات وسيادة قانون الغاب، وذلك ليستشعر الناس قيمة القانون والسلطة حال تشريعها ويسارعوا إلى تطبيقها واحترامها.
وهنا كانت لي مع نفسي وقفة، استشعرت فيها معنى كلمة (المدنية) معنى كلمة (التحضر).
ونظرت حولي لأجد نفسي أشعر بالأمان، ووجدت أن هناك قانونا يحميني من الانتهاك، وجدت هناك نظاما عاما يمنع التخبط والانفلات.
ولأول مرة بدأت أشعر بالوطنية الحقة.
إن الوطن هو تفاصيل حياتك في ذهابك وإيابك.
هو أمك وأبوك وشملك مع الأحباب.
هو بيتك الذي تقفل عليه بابك وعائلتك وقت تشاء.
هو الشارع المليء بساهر والإشارات.
وهو المدرسة والجامعة ومكان عملك ومركز التسوق وجميع القطاعات والخدمات.
لذا إذا أردت أن تعبر لهذا الوطن عن امتنانك وولائك فابدأ بأن لا تعتبر كل مكتسباتك المدنية بداية من حقك في التعلم وانتهاء برخصة القيادة هو مجرد مسلمات واستحقاقات.
ابدأ بأن تعلم أولادك تقدير مكتسباتهم الحياتية، وأشعرهم بأهميتهم في منظومة المدنية، وكيف أن احترامهم وحفاظهم على هذه المكتسبات هو جزء من مسؤوليتهم نحو استمرار وتطور هذه المنظومة من الاستقرار .
فمن هنا سيبدأ في حب ما تمثله هذه المنظومة وهو الوطن، والولاء لمن يقوم عليه وهم ولاة الأمر.
بعض منا لا يزال ينظر إلى الوطن بعين اعتادت، وبقلب ضامن.
لكن كل الظروف والمستجدات التي حولنا جعلتنا نرى وضعنا بعدسة مكبرة لندرك قيمة ما نملكه ونستشعر دورنا في الحفاظ عليه وتطويره.
لنستوعب أننا أمام أهوال العالم الخارجي كتلة داخلية من التماسك والتعاضد كمثل الجسد الواحد يشد بعضه بعضا، ليقف شامخا صامدا لنا ولأولادنا ولاستمرارنا الحضاري.
لذا أحبب وطنك بأن تستشعر قيمة العمل له.
أحبب وطنك بأن لا تيأس منه، أحبب وطنك بأن تقف معه حاميا حين الذود، وتقف له ناقدا حين الفساد، أحبب وطنك بأن تعينه على نفسه، وتبدأ بالإصلاح أولا في نفسك.
[email protected]