من ضمن الأقوال الملازمة للتطور التقني أنه كلما ازداد العالم ذكاء عقلانيا ازدادت قسوته.
وإزاء هذه الفرضية عملت البحوث في مجال العلوم على صنع ترياق يوائم بين العقل والعاطفة، ليثبت الحقيقة القائلة بأن العلاقة بين الذكاء العقلي والوجداني لا تنفصل، وأن الأول الذي يشكل نسبة 20% من النجاح الذي يحققه الشخص، لا بد من ترقيته برفع قدرات الذكاء العاطفي وتمكينه من القيام بدوره.
وتم تعريف الذكاء الوجداني بأنه مجموعة من المهارات الانفعالية والاجتماعية التي يتمتع بها الفرد واللازمة للنجاح المهني وللنجاح في الحياة عموما، وتشمل: الوعي الذاتي، وإدارة العواطف، والتحكم في الاندفاعات، والمثابرة، والحماس والدافعية الذاتية، والمشاركة العاطفية، والمهارات الاجتماعية.
فما عاد مفهوم الذكاء مقتصرا على الذكاء المنطقي وحده، بل تخطاه إلى التعامل مع الذات والتعامل مع الوسط الاجتماعي مما يؤثر مباشرة في حياة الشخص ومحيطه.
وأثبتت الدراسات أن الأشخاص الذين يتمتعون بنوع من الذكاء الوجداني يتميزون بالنجاح في التحكم في مشاعرهم ومراقبة مشاعر الآخرين وتنظيم انفعالاتهم وفهمها، والتعامل معها بإيجابية، مما يمكنهم من الوصول إلى استخدام استراتيجيات سلوكية للتحكم الذاتي في مشاعرهم وانفعالاتهم والحساسية لها وتنظيمها وفقا لانفعالات ومشاعر الآخرين.
أما ما يستحق التركيز بشكل أكبر، فهو أن الوجدان والتفكير متداخلان، وأن العقل يعمل بفعالية أكبر عندما يحس الشخص بالأمان.
وكمثال لذلك أن الطفل يكتسب معلومة جديدة ويستطيع التركيز عليها واستيعابها عندما يكون في ظروف بعيدة عن القلق والتهديد.
ويلاحظ أنه كلما زادت حاجة الناس الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، تزداد بالتالي حاجتهم إلى الأمان فيلجؤون إلى مكنونات النفس الخيرة لتعمل كمصدات لكثير من الشرور المتمثلة في الخلافات والمشادات والمشاكل التي تبدأ من الأفراد لتشمل تكوينات مجتمعية مثل القبائل أو جهوية كالتعصب لمنطقة جغرافية معينة.
وكل ذلك لأنه أثبت علميا أن المخ وجداني ينشطه الأمن ويحجمه التوتر، وأن العقل هو اندماج لعنصري المعرفة والوجدان.
يهم هذا العلم السلوكي المجتمع المكون من هؤلاء الأفراد، ويدخل في إطار التنمية البشرية كما في التنمية المجتمعية، والأداء بشكل عام من اقتصادي واجتماعي وأكاديمي وسياسي وغيره.
يقال عادة لمن يسيء التصرف أو لا يراعي الآخرين أو يجيء بردة فعل سالبة ولا تتناسب مع الحدث، إنه فقد عقله.
وفي هذه الحالة لا يكون فقد عقله وحده وإنما وعيه الوجداني والعاطفي الذي يمد العقل بتقييم الموقف وكيفية التعامل معه والتحكم في مشاعره.
وفي هذا الصدد قال أرسطو في كتابه الأخلاق إلى نيقوماخوس: أن يغضب أي إنسان، فهذا أمر سهل، ولكن أن يغضب من الشخص المناسب، وفي الوقت المناسب، وللهدف المناسب وبالأسلوب المناسب، فليس هذا بالأمر السهل.
وتزداد رقعة هذه المشكلة الوجدانية منذ قول أرسطو إلى زمان الناس هذا، والذي زادت فيه حدة التبلد العاطفي والوجداني، متجاوزا الفرد إلى المجتمعات في تعاطيها بعضها مع بعض، ومتطورا إلى الدول في حدة خلافاتها مع مواطنيها أو مع غيرها من الدول سواء أكانت شقيقة أو صديقة، مثل ما حدث على مر التاريخ، ويحدث الآن في سوريا واليمن والعراق وليبيا.
فهذه المشاكل والأزمات وإن كانت تنتمي إلى عالم السياسة والتكالب نحو السلطة في شكلها الظاهر، فإن باطنها تحركه مشاعر أقلها الأنانية والازدراء والاضطهاد والكراهية لدرجة الإبادة بكل الأسلحة من كيماوي إلى رصاص إلى مدافع وصواريخ، فهل يوجد سلوك مثل هذا حتى في الغاب؟ وهل تقوم به الحيوانات المفترى عليها؟ في هذه النقطة التي يغيب فيها الوجدان ناهيك عن درجة ذكائه، قد يترفع كثير من الكائنات الحية عن أن تكون مثل الإنسان.