هجوم النقاد الغربيين على الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي اكتسب زخما كبيرا ويُخشى أن ينزلق في مسار خاطئ
ربما تكون هناك محاولة مبررة لانتقاد حكومة الرئيس فلاديمير بوتين، لكن هذه الانتقادات انحرفت لتأخذ طابعا شخصيا أحيانا وإلى مجرد تعبير عن نوايا سيئة
الزعماء والقادة السياسيون الذين قرروا قبول دعوة الرئيس بوتين لحضور افتتاح الألعاب الأولمبية –مثل الرئيس الصيني شي جين بينج، ورئيس وزراء اليابان شينزو آبي، ورئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان- حافظوا على توازنهم ورجاحة عقلهم
أما أولئك الذين قرروا بعناد عدم الحضور والبقاء بعيدا –مثل رئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون، والرئيس الأمريكي باراك أوباما، والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند- فهم ربما يتبعون ما يسمى بـ»قطيع العقول المستقلة»
الاهتمام الغربي الإعلامي الهائل بالفساد المزعوم حول تكاليف الإعداد للأولمبياد في روسيا وصل لدرجة الهوس
في مؤتمر صحفي عقده في يناير، قال الرئيس بوتين إن تكاليف الألعاب نفسها وصلت حوالي 6
2 مليار دولار، وأن البنية التحتية المتعلقة بها كلفت أكثر من ذلك بكثير
المصادر الغربية تقدر الكلفة الإجمالية بـ51 مليار دولار، ويقول البعض إن حوالي ثُلث هذا المبلغ تم تحويله بشكل غير قانوني
إذا كان ذلك صحيحا فهو كثير جدا
لكنه في النهاية خبر محلي، ويعتقد كثير من المراقبين أنه لم يؤثر كثيرا على مصداقية الشركات الروسية ولا على ديونها الخارجية
كما أن سوتشي ليست لطخة أخلاقية فريدة
على سبيل المثال، الألعاب الأولمبية الشتوية التي أقيمت في مدينة سولت ليك في الولايات المتحدة في 2002 لطختها فضيحة فساد كبيرة
كما أن الألعاب الأولمبية في صيف 2008 في بكين كانت فرصة مناسبة للاحتجاجات حول حقوق الإنسان
احترام بوتين للعملية الديموقراطية لم يكن مثاليا بالتأكيد
اعتقل خصومه السياسيين وسجنهم في مناسبات عديدة
وقمع عدة مظاهرات سلمية في مايو 2012، ولا يزال ثمانية من الذين اعتُقلوا يخضعون للمحاكمة
مثل هذا السلوك يستحق الانتقاد، حتى ولو لم تكن الألعاب الأولمبية هي المنبر الأفضل لذلك
الرئيس بوتين لم يأت من فراغ
بعد أن غدت روسيا تتبع النصائح الغربية لمدة عقد من الزمن في عهد الرئيس بوريس يلتسين، وتعرضت الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية في روسيا إلى التخريب نتيجة لذلك، يرى كثيرون في روسيا أن بوتين جاء ليضع حدا لهذا ويعيد الأمور إلى نصابها
الذين ينتقدون السيد بوتين لا يهتمون كثيرا بهذه الحقيقة التاريخية بقدر اهتمامهم بلائحة من القضايا المفضلة لدى بعض النخبة في الغرب: الاتحاد الأوروبي، التجارة الحرة، والملياردير ميخائيل خودورفسكي الذي سُجن منذ عقد وحصل على عفو رئاسي في ديسمبر
في الأسبوع الماضي، وقع مئات من الكُتاب رسالة مفتوحة نشرتها صحيفة الجارديان البريطانية انتقدوا فيها بعض القوانين في روسيا، مثل قانون منع الشواذ والتجديف
لكن كثيرين من هؤلاء الكتاب صمتوا عندما صدر قانون التجديف في بريطانيا منذ ثماني سنوات فقط، والذي جاء تحت اسم «قانون الكراهية العرقية والدينية 2006» بتوصية من بعض الجماعات نفسها التي كانت لها مواقف مناقضة للحريات الدينية فيما مضى
في واقع الأمر، ربما قدم بعض النقاد الغربيين خدمة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين دون أن يقصدوا ذلك
كثيرون رأوا، وسط غضب هؤلاء النقاد الغربيين وهجومهم الكثيف غير المتناسب على بوتين، أن ما فعله بوتين يستحق الثناء في واقع الحقيقة، وليس الانتقاد
هذه الدول التي تحاول إعطاء محاضرات للرئيس بوتين حول «الشكل الصحيح للديموقراطية،» كما جاء في الرسالة المفتوحة التي نشرتها صحيفة الجارديان، نقلت السلطة مؤخرا من الفرع التشريعي (البرلمان) إلى الفرع التنفيذي (الحكومة)، ومن الناخبين إلى البيروقراطيات
في أوروبا، تم ذلك عن طريق تكليف الاتحاد الأوروبي بالسلطات
وتم ذلك في الولايات المتحدة عن طريق العكس القضائي لنتائج الانتخابات الديموقراطية (بما في ذلك القرار المتعلق بزواج المثليين)
الرئيس بوتين يقدم نفسه على أنه يدافع عن السيادة الروسية، ويعتبر نفسه مثالا يحتذى لأولئك الذين لا يريدون الخضوع لإملاءات وإرادة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي
المجتمعات لا تزال أكثر ليبرالية من المجتمع الروسي، وهي بالتأكيد أكثر التزاما بالأساليب الديموقراطية
لكن الفرق لم يعد واضحا بنفس الطريقة التي كان واضحا فيها منذ عشر سنوات
* فاينانشال تايمز