في المرحلة الابتدائية، كنت أحلم بأن أكون معلمة، لتقليد دور المعلمة في الحركة، الحديث، والكتابة على «السبورة».
وحينما انتقلت إلى المتوسطة، ظهر لدي ميول إداري.
ولكن صدمت حينما علمت بأن متطلبات القبول الجامعية للتخصصات الإدارية منخفضة، فأيقنت أنه لا مستقبل لها.
ومع انتقالي إلى الثانوية، أصبح الأمر أكثر جدية، فأرغمت نفسي على قبول النظرة السائدة بأن التخصصات المثلى هي الطبية، على الرغم من أن سماتي الشخصية لا تتقابل معها «لا من قريب ولا من بعيد».
ليس مهما أن تعرفوا كيف اعترضت مساري «البركة الإلهية» لتعيدني إلى المجال الملائم لميولي «الأعمال» وأنا حينها مكرهة لا بطلة، ولكن المهم من هذه القصة هو إثارة التساؤل مجددا: ما هي الخيارات الوظيفية التي يتطلع لها قادة المستقبل، طلابنا اليوم؟ وما مقدار الدعم المقدم لهم من قبل المعلمين والمربين في هذا الشأن؟فهل لا يزال الطب هو الخيار المهيمن على عقول المتفوقين، على الرغم من تنوع اهتماماتهم وسماتهم الشخصية والتي يمكن أن تبرز بشكل قيادي في مجالات أخرى؟ وهل لا تزال الوظائف الحكومية هي الوجهة الأولى، على الرغم من انخفاض الرواتب وندرة فرص الإبداع والقيادية فيها، مقارنة بالأعمال الحرة؟ يقدم تقرير CareerCast الذي يعده الباحث الأمريكي توني لي وفريقه المعاون قائمة سنوية بأفضل وأسوأ الفرص الوظيفية في أمريكا.
وعلى مدى 27 عاما من العمل في المشروع، طور فريق توني مقياسا لتقييم الوظائف يشتمل على عدة جوانب منها المشاعر وحددها في درجة المنافسة والتواصل مع الجماهير (اعتبرها عوامل سلبية)، أيضا تضمن المقياس جانب الضغوط النفسية وحددها في الحاجة المتكررة للسفر، المواعيد النهائية للتسليم، ومخاطر فقدان الروح، والجانب البدني وحدده في الحاجة للتحرك على الأطراف الأربع وببطء أو الركوع أو الانحناء نحو الأرض والرفع مرارا، وشمل أيضا البيئة من حيث التلوث والإزعاج، وأخيرا معدلات الأجور والترقيات.
وبحسب تقرير CareerCast لعام 2015، ارتبطت أفضل عشر وظائف بأمريكا بتخصصات العلوم، التكنولوجيا، الهندسة، الرياضيات، المجال الصحي.
والمثير أن أفضل وظيفة لعام 2015 جاءت في صالح هواة قضم الأرقام (الرياضيات) في وظيفة محلل بيانات التأمين (actuary)، التي تتطلب جمع وتفسير الأرقام الإحصائية وحساب احتمالات نشوء الحوادث، الأمراض، الوفاة، فقدان الممتلكات، أما الراتب فيعادل 29,440 ريالا شهريا، في بيئة عمل مريحة وآمنة، والضغوط منخفضة، والبطالة محدودة.
بالطبع أمريكا بيئة متقدمة تعليميا وصناعيا وتنظيميا، ولا يمكن الاستفادة من نتائج مشروع توني خارجها.
لكن لعلنا نرى قريبا مشاريع مشابهة لـ CareerCast يقودها أكاديميون ومهنيون سعوديون تساعدنا على معرفة الوظائف المحلية الأعلى مرتبا، والأوفر حظا في الترقيات والشواغر مستقبلا، يستعين بنتائجها المعلمون والمربون في إثراء خيارات الطلاب بحسب ميولاتهم التي تبرز في الحياة المدرسية، فتختصر مشوارهم نحو الريادية، وأيضا يستفيد منها من يرغب في تغيير المهنة.
وينبغي أن يتزامن مع ذلك تعليم مواكب بالقدرات والمعارف التي تتطلبها الوظائف المتميزة محليا، فلا يتردد عنها الطلاب المتفوقون تجنبا لعدم القبول والبطالة.