..ويظنون أن تصرفاتهم المحملة بالتكلف أو هيئتهم الخارجية المبالغ فيها ستوصلهم إلى دوائر القبول، يجردون التاريخ بطريقتهم المنفصلة عن كل حسابات الواقع، يتغنون بالجغرافيا وكبير ظنهم أن كل ذلك أو بعضه سيجذب الانتباه ويزرع القناعة.
يتغنون بالأسواق المالية والعلاقات الشخصية وجل أحاديثهم مليئة بعبارات الاستعراض العارية من المنطق ويظنون أن هذا المذهب السلوكي يخلق لهم المكانة والاعتبار، قد يحدث شيء من هذا في قناعات السذج من أتباع المجتمعات المنغلقة وهذا لا يستغرب فهذه بضاعة هذه المجتمعات وإن ردت البضاعة إليها فلا شيء يثير الدهشة.
اللافت في المقابل، المرحلة الراهنة مفتوحة على حقائق كثيرة تقودها حقيقة انتشار المعرفة حتى وإن تفاوتت درجات توسعها، الدراية تتمدد بخطوطها العريضة والدقيقة في كل صوب عطفا على نمو وعي الناس وزيادة مستوى الاطلاع ومع ذلك تبقى سهولة الوصول إلى المعلومة من الشواهد الحية على حيوية الراهن وتمرده على احتكار المعلومات والنصوص والتسويق للانفراد بها ولعل هذا الأمر خارج حسابات أولئك المنفصلين عن الواقع المغردين خارج حدوده.
بكل أسف البعض ما زال يتحدث عن أي شيء وينقل كل شيء دون أدني اعتبار للصدقية أو عكسها، المهم إثبات الحضور في المجالس العامة أو الخاصة دون احترام لوعي الناس أو تقدير لوجود أهل المعارف والاختصاص في الكثير من الشؤون بفضل تصاعد التحصيل العلمي مما يفترض معه سريان فرض الحصار على المبالغات واللاواقعية.
العالم كما يقال أصبح قرية مفتوحة وبات صغير السن قادرا على سحب أطراف الحديث صوبه بما يملك من معلومات مما يجعل مجمل الأوضاع مكشوفة غير قابلة للاحتكار كما يظن أصحاب الوعي الرخو.
هذه المقدمة الطويلة جدا، تسير في طريق لفت نظر فئة تعيش حالة الانقطاع الملحوظ عن الواقع تحت سيطرة حب الاستعراض والضلوع في الجدال المفرغ تلقائيا من مقومات المنطق والدراية، ليت وعسى أن ينفعهم الله بها وينور بصائرهم لرؤية الطريق إلى الأرض.
الأيام الفائتة وقعت في مأزق لقاء أحدهم بالصدفة وفي فترة وجيزة فتح الدفاتر المذهبية التي تصيبني بالدوار، وطار بي إلى كل العواصم وفجأة هبط بي في أكثر مطارات الأحداث الجاري منها والفائت، وفي كل مرة يخرج بي عبر تحويلات استنتاجية محفوفة بالجنون وتحليلات تملؤها المغالطات وأكثر.
في الأخير قاطعته بقوة وسألته عن مساحة مدينته وعدد سكانها وأبرز معالمها الحضارية وأشياء أخرى، وقتها ضمنت سكوته فعلا وغادرت المكان، الأكيد أنه لن ينسى تفاصيل السؤال الأخير..وبكم يتجدد اللقاء.