قبل البترول وما (بترله) علينا، كان رعي الأغنام هو المصدر الأول للدخل القومي! ويبدأ الإنسان (فيذا) جني بركاته فور ولادته؛ فيندر أن تجد من آبائنا وأجدادنا من حققت له أمه الاكتفاء الذاتي من حليبها؛ فلا بد أن تستعين بنعجةٍ أو عنز ترضعه مع وليدها، الذي لا يريد الإنسان أن يعترف بأنه أخوه من الرضاعة! ولكن لحظة.. آباؤنا وأجدادنا؟ بل نحن، جيل الشاعر الفارق الفارع الفاره (علي السبعان)، الذي حكى لعلي العلياني، في رمضان الفارط، تراجيديا فقده المبكر لأمه ـ رحمها الله وجزاها عن الوطن خير الجزاء أن عقَّبت هذا الشاعر النادر ـ ولو مثلت قصته لشفي الخليجيون من التلوث الضوضائي الفضائي، ولخجلت كل نجمة أن تنفخ براطمها عند (بنشرية) البوتكس! حيث نفذ والده (العظيم بكل ما توحي به هذه الكلمة من معنى) وصية الأم بصرامة لا هوادة فيها؛ فلم يتزوج ولم يترك طفله الوحيد لمن تحن عليه، مهما كانت قرابتها منه، إلى أن بلغ (علي) الثامنة (بدون داود) وأصبح رجلاً في عرف البادية! لقد قام الأب بدور الأم في كل شئ إلا الرضاعة؛ فقد وكل بها إلى عنز (سنافية)، كانت تسبقه كلما صرخ الرضيع من الجوع!!
وإضافة إلى الحليب ومشتقاته، واللحم و(كوليسترولاته) كانت الغنم توفر لإنسان الجزيرة كل مقومات حياته: من سكنٍ نرجو أن لا تعتمده وزارة الإسكان؛ فتبادر بنوك (مرتاع البال) لرهن خيام الشعر في الملاحق والسطوح! ويشبِّك بعض المستثمرين كل ما يبلغه السراب من (الصمان)!!
ولباسٍ (معطوفة على سكنٍ مجرور أعلاه) يستره ويدفئه ويحميه من (قحفية) صلعته إلى شسع نعله!!
ولو استمرت تلك الحياة الحقيقية، لاستفاد الإنسان حتى من أصوات إخوانه من الرضاعة؛ كنغمات للآي فونات الطاااازة: (ثُغاء الخرفان لرقم الزوجة، ونَبْنَبَةُ التيوس لأرقام المعجبات)!!
ولكن ثقافة الهياط لم تُبقِ إلا (الكوليسترول) من الذبائح! حتى الجلود التي كانت تحقق دخلاً ممتازاً من تصديرها إلى الدول الصناعية، لم تعد تفي بهم (دبغها) الأوَّلي، بعد أن (قشَّفَت) التجارة أهلها من (25) ريالاً للرأس إلى (ريالين) فقط!!
ولك أن تتخيل كيف تهدر ثروة تقدر بملايين الجلود؛ وبخاصةٍ هذه الأيام، في مكبات النفايات؟!!